• عهدٌ (موضوعٌ) زعموا أنه من النبي صلى الله عليه وسلم للنصارى

    إن مجلة روضة المعارف التي تصدر في بيروت، أدرجت في عددها الثالث عشر من هذه السنة صورة عهد للنبي صلى الله عليه وسلم، تزعم أنه أملاه على سيدنا معاوية رضي الله عنه لأهل الذمة، ولدى البحث في كتب الحديث والسير والتاريخ ما وجدت هذا العهد بهذا اللفظ الطويل الذي نقلته هذه المجلة، ونقلته عنها جريدة لسان الحال.

    فأرجوك أيها الفاضل أن تفيدني عن درجة هذا العهد من الصحة والحسن، وعمن خرجه منه المحدثين وفي أي كتاب هو، وهل هذا اللفظ المنقول كله مروي محفوظ عن أئمة هذا الشأن الموثوق بهم الذين يعول على نقلهم، فيكون حجة في العمل؟ لقد رأيت في هذا طولًا كبيرًا وألفاظًا لا تشبه ألفاظ صاحب الرسالة في عهوده، ورأيت بعض الصحابة المدرجة أسماؤهم بصفة شهود، كان قد مات قبل هذا التاريخ، وبعضهم لم يكن أسلم، فأرجو إيضاح الجواب على كل جملة ليكون الإنسان على بصيرة، لا زلت مرجعًا لحل الإشكالات وتحقيق المسائل، وليكن الجواب على صفحات مجلتكم ليطلع عليه القراء الكرام.
     

    قد اطلعنا في مجلة روضة المعارف على هذا العهد الملفق الموضوع، فساءنا اندفاع قومنا في تيار المجاملة إلى هذا الحد الذي يتهجم فيه على نشر هذه الأكاذيب الموضوعة على النبي صلى الله عليه وسلم، على حين نحن في غنى عنها بما عندنا من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة وسيرة السلف المعروفة.

    إن هذا العهد المكذوب لم يروه أحد من المحدثين، ولا يحتاج من له أدنى شمة من علوم الدين إلى اطلاع واسع ليعرف أنه مصنوع موضوع، فذلك واضح من عبارته في أغلاطها، وأسلوبه في ركاكته، وما فيه من الاصطلاحات الحادثة، ومن المبالغة والتكرار، ومن مسائله التي توهم أن الإسلام وجد في الأرض لأجل تعزيز النصرانية وخدمة أهلها، والدفاع عنهم والخضوع والذل لهم، وإعانتهم على المعاصي والجنايات إذا ارتكبوها، فإن مما جاء فيه: «وإن جر أحد من النصارى جريرة أو جنى جناية، فعلى المسلمين نصره ومنعه (أي حمايته) والذبّ عنه، والغرم عن جريرته» فهل يعقل من شم رائحة الإسلام أن النبي الذي يقول كما في صحيح البخاري: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا» يأخذ العهد على أمته بأن ينصروا مرتكبي الجرائم والجنايات من النصارى، ويحموهم ويدفعوا عنهم؟ وهل يتفق هذا مع قوله تعالى في الآية التي أذن فيها للمسلمين بالجهاد والدفاع عن أنفسهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41]. وفي هذا العهد كثير من أمثال هذه المسائل الباطلة بالإجماع التي لا يبيحها الإسلام لأحد، بل يعد استباحتها كفرًا وردة عن الإسلام. أما ما يدل على كذب هذا العهد مما يتوقف العلم به على الإلمام بالتاريخ، فربما يعذر ناشروه بجهلهم له، ولكنهم لا يعذرون بجهل المسائل المعلومة من الدين بالضرورة. ثم إن هنا مسألة تاريخية تكاد تكون معروفة عند العامة، وقد جهلها ناشرو هذا العهد وهي مسألة التأريخ بالهجرة ففيه: «كتبه معاوية بن أبي سفيان بإملاء رسول الله يوم الاثنين في ختام أربعة أشهر من السنة الرابعة من الهجرة بالمدينة» فمن المشهور أن هذا التأريخ قد حدث في خلافة عمر بن الخطاب بمشاورة الصحابة رضي الله عنهم، ولم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أبو بكر رضي الله عنه. وما ذكر مختلق العهد هذا التاريخ إلا ليُظهر كذبه علمُ التاريخ، فالمروي في صحيح البخاري أن معاوية أسلم في عام الفتح، أي في السنة التاسعة للهجرة، فكيف كان يكتب للنبي في السنة الرابعة؟ ثم إن ختام الشهر الرابع للهجرة -وهو شهر جمادى الآخرة- لم يكن يوم الاثنين وإنما كان يوم الجمعة. وذلك أن الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، ولما أراد الصحابة في عهد عمر التأريخ بالهجرة، جعلوه من أول السنة القمرية التي حدثت فيها، فكان في ذلك زيادة شهرين كما هو مشهور. ثم إنه أكثر من الشهود ليظهر كذبه أيضًا، وهاك البيان بالإيجاز. في ذكر هؤلاء الشهود أربعة أنواع [من] الغلط.

    أحدها وأهونها: الأسماء المحرفة والمصحفة كالفضيل بن العباس صوابه الفضل، وحسن بن ثابت صوابه حسان، وأبو درداء صوابه الدرداء، ويزيد بن ثابت صوابه زيد.

    والثاني من لم يكن أسلم كمعاوية.

    والثالث من كان قد مات أو استشهد كحمزة.

    والرابع من لا وجود لهم في الصحابة كداود بن جبير، والعاصي أبو حنيفة، وإساف بن يزيد وكعب بن كعب.

    ولو استقصينا كل ما في هذا العهد المكذوب من الخطأ، لأفضى بنا ذلك إلى تطويل نحن في غنى عنه بهذا القول الوجيز[1].

    [1] المنار ج12 (1909) ص421-423.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 293 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة