• مدة حمل النساء شرعًا وطبًّا

    من المعلوم أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأقصاها خمس سنين عند مالك، وأربعة عند الشافعي، وسنتان عند أبي حنيفة؛ القائلين بجواز رقاد الجنين في بطن أمه ثم يفيق في خلال هذه المدة المحدودة، ويلحق بأبيه بعد إتمام الموجبات الشرعية. وروى مالك في الموطأ أن امرأة هلك عنها زوجها، فاعتدت أربعة أشهر وعشرا، ثم تزوجت حين حلّت، فمكثت عند زوجها أربعة أشهر ونصف شهر ثم ولدت ولدًا تامًّا، فجاء زوجها إلى عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فدعا عمر نسوة من نساء الجاهلية قدماء، فسألهن عن ذلك، فقالت امرأة منهن: أنا أخبرك عن هذه المرأة، هلك عنها زوجها حين حملت، فأهريقت عليه الدماء، فحشر ولدها في بطنها، فلما أصابها زوجها الذي نكحها وأصاب الولد الماء، تحرك الولد في بطنها وكبر. فصدقها عمر بن الخطاب وفَرَّقَ بينهما. وقال عمر: أما إنه لم يبلغني عنكما إلا خير، وألحق الولد بالأول اهـ، وقال ابن سينا في الشفاء: بلغني من جهة من أثق به كل الثقة؛ أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولدًا نبتت أسنانه، اهـ. وعلى هذا جرى عمل الفقهاء والمفسرين في مشارق الأرض ومغاربها قديمًا وحديثًا، إلى أن ارتقى علم الطب والتشريح، وأجلاه للعيان علم الطبيعة الذي انتفع بمواهبه وأسراره بنو الإنسان، ورأوا ما كان جوازه مستحيلًا واقعًا لا غبار عليه. فقام من بين أطباء الإفرنج عندنا جماعة حكموا بمنع رقاد الجنين في بطن أمه، ونسبوا إلى من ادعت رقادها زناها، واعتذروا لما عليه علماء الإسلام في هذا الشأن؛ بأن علم الطب لم تنكشف أسراره في الأزمنة الغابرة انكشافها في زمننا الحاضر. وها هي (ذي) واقعة حال صورتها: أن امرأة فارقها زوجها منذ أربعة أعوام بريئة الرحم، والآن ظهر به حمل نسبته لمفارقها الذي ناكرها فيه، وزعمت رقاده في هذه الأعوام، واعترفت بعدم مسيس مفارقها لها بعد الطلاق، ونشرت معه النازلة لدى المحكمة الشرعية من حيث لحوق الولد أو نفيه، كما نشر معها النازلة لدى المحكمة العدلية من حيث رميها بالحمل من زنا، وإن أدري أيحكم لها أم عليها في المحكمتين؟ بيد أن النفوس على حيرتها تتطلع إلى معرفة هذه الحقيقة الشرعية الطبية، ولما كانت لمقامكم العلمي قدم راسخة في العلوم الشرعية، ولصديقكم النطاسي سيدي محمد توفيق صدقي معرفة عالية في علم الطب؛ جئتكم بهذا السؤال ألتمس إدراجه قريبًا على صفحات المنار مع الجواب عنه بما يقنع النفوس، ويرفع الالتباس، ويزيح الإشكال، وربما كان أنموذجًا راجحًا عند تعارض الأدلة. لا زلتم ملجأ للسائلين، وقدوة للمسترشدين، والسلام من معظم حضرتكم.
     

    إذا قلنا: إن مسألة مدة الحمل دينية، يجب العمل فيها بما جاء في الدين من غير زيادة ولا نقصان، فالواجب حينئذ أن نعمل بقوله تعالى في سورة الأحقاف عن الإنسان: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]. فإذا كانت مدة الحمل والفصال ثلاثين شهرًا وهي سنتان ونصف، فكيف نجعل مدة الحمل وحده عدة سنين من اثنتين إلى خمس، ونقول: ذلك هو حكم شرعنا في المسألة؟ فإذا كان المعلوم لكل الناس أن مدة الحمل تسعة أشهر، فمدة الرضاعة التي يكون الفصال بانتهائها [21] شهرًا، هذا هو أقلها الذي لا بد منه شرعًا وأكثرها سنتان كما في آية [233] من سورة البقرة، ولذلك قال فيها: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]. وقد ذكرنا في تفسيرها قول بعض المفسرين: إنه يستنبط من مجموع الآيتين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنها هي التي تبقى بعد طرح [24] شهرًا مدة الرضاعة التامة من [30] شهرًا مدة الحمل والفصال (راجع ص[408] ج[2] تفسير)، فإذا عاش الولد الذي تلقيه أمه بعد تمام ستة أشهر من حمله كالشهر السابع أو الثامن، فينبغي أن يكون حظه من الرضاع أكثر من حظ من يولد لتسعة أشهر؛ ليكون غذاؤه من اللبن عوضًا عما فاته من التغذي بالدم في رحم أمه، فلا تقل مدة الحمل والفصال عن ثلاثين شهرًا وهي حكمة ظاهرة، فإن زادت ثلاثة أشهر كان ذلك من تمام العناية بالولد. وإذا جرينا على ذلك في جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالحمل، نكون موافقين لأقوال أطباء هذا العصر واستقرائهم واختبارهم؛ لأن تحديد القرآن الحكيم لمدة الحمل والرضاعة لم ينقصه من أقوالهم شيء، بل لا يزداد القرآن بازدياد علوم البشر إلا قوة وظهورًا. وإذا قلنا: إن هذه مسألة دنيوية، وما يتعلق منها بالمعاملات الشرعية لا يكتفى فيه بظواهر الكتاب أو السنة، وما يتبادر من معنى النصوص، بل يجب أن يضم إلى ذلك اختبار الناس، وما يصلون إليه من معرفة الواقع بطريق الاستقراء والبحث، قلنا حينئذ: إن ما قاله العلماء الذين بحثوا في المسألة من قبل كالأئمة الثلاثة الذين ذكرت أقوالهم في السؤال، ليس نصًّا دينيًّا يجب التعبد به وعدم اعتبار بحث غيرهم واستقرائه، بل يعمل أهل كل عصر بما يصل إليه علمهم واستقراؤهم، وقد وقفنا على طريقة بحث الأوائل في مثل هذه المسألة، وهو أنهم كانوا يسألون العجائز ويصدقونهن، كما سأل عمر رضي الله عنه العجائز الجاهليات في واقعة المرأة التي نقلت في السؤال عن الموطأ، وكما كان الشافعي رحمه الله يسأل العجائز عن مدة الحيض والطهر، ومن الجائز أن يكذب بعضهن، ويجيب بعضهن عن جهل. وثقة بعض أئمة الفقه بما سمعه من عجائز زمانه لا يوجب أن يكون ذلك دينًا متبعًا لكل من يعمل بفقهه، وإن ظهر له استقراء أتم وعلم أصح. نعم... إن ما قاله الفقهاء غير محال عقلًا ولا طبعًا، فإذا فرضنا أن ما نقل إليهم من مكث الجنين في الرحم أربع سنين أو خمسًا قد وقع شذوذًا، كما نقل مثل ذلك إلى ابن سينا، فهل يصح أن يجعل قاعدة مطردة تبنى عليها الأحكام الكثيرة لمجرد احتمال تعدد ذلك الشذوذ الذي يسميه أهل هذا العصر فلتة طبيعة؛ كولادة حيوان أو إنسان برأسين؟ أم القواعد تبنى على الغالب المألوف. وما جاء على خلاف الأصل وخلاف الغالب لا يقاس عليه. إذا نحن بنينا أحكام الحمل على ما صدقه بعض أولئك الفقهاء من أقوال النساء، نكون قد خالفنا إطلاق القرآن، وقيدناه بقيد لا ثقة لأحد من المتعلمين به في هذا العصر، وخالفنا الثابت المطرد في مدة حمل المرأة؛ وهي أنها لا تكاد تبلغ سنة واحدة فضلًا عن عدة سنين، وخالفنا القياس الفقهي على تقدير صدق أولئك العجائز فيما أخبرن به الأئمة من أن ذلك قد وقع شذوذًا، فكيف إذا لم نصدقهن، وخالفنا ما قرره أطباء هذا العصر من جميع الملل والنحل على سعة علمهم بالطب والتشريح، وعلم وظائف الأعضاء (Physiologie)، واستعانتهم في بحثهم واختبارهم بالآلات، والمجسات، والمسابير، والأشعة التي تخترق الجلد واللحم فتجعل البدن شفافًا يظهر ما في داخله يرى بالعينين، وعلى بناء علمهم على التجربة والاستقراء، واستعانة بعضهم في ذلك ببعض على اختلاف الأقطار بسهولة المواصلة البريدية والبرقية، وعلى كثرة النساء اللواتي على حرية القول وعدم الخجل من إظهار ما لم يكن يظهره أمثالهن في بلادهن أو غيرها من قبل، وما لا يظهره غيرهن من سائر البلاد التي لا حرية فيها كحرية بلادهن.

    ثم إننا نكون مع هذه المخالفات، اللواتي نحملها لتصديق أولئك النساء المتهمات، قد تعرضنا لمفاسد كثيرة: منها طعن الأجانب في شريعتنا طعنًا مبنيًّا على العلم والاختبار لا على التحامل والتعصب، وذلك منفر عن الدخول في ديننا، ومانع من ظهور حقيته لمن لا يعرف منشأ هذه الأقوال عندنا. ومنها تشكيك الكثير من المسلمين في حقية شريعتنا وكونها إلهية، وأعني بالكثير جميع الذين يتعلمون الطب، والذين يقفون على أقوال أطباء وعلماء هذا العصر، وتطمئن قلوبهم بأقوالهم في مدة الحمل مع مخالفته لما يظنون أنه هو الشريعة المقررة الثابتة بالكتاب أو السنة. ومنها إلحاق الأولاد بغير آبائهم؛ وهي مفسدة يترتب عليها مفاسد كثيرة في الإرث، والنكاح، وغير ذلك. ومنها أنه يجرئ المرأة الفاجرة إذا طلقها زوجها أو مات عنها أن تدعي أنها حامل منه، وأن الولد راقد في بطنها، ويكون لديها وقت واسع تستبضع فيه ولدًا من غيره بالزنا، ثم تلحقه وتستولي على جميع ماله إن لم يكن له وارث آخر أو على أكثره. ومنها أن تصدق من يغيب زوجها عنها من سنة إلى خمس سنين فيما تأتي به من ولد في هذه المدة أنه منه، وللفقهاء في أمثال هذه المسألة كلام لا محل هنا لذكره ولا للإشارة إليه باحتراز أو غيره، فمنهم من يقول: إن هذه المرأة تصدق في إلحاق ما تأتي به من ولد بزوجها الغائب، وإن كانت غيبته أطول من أكثر مدة الحمل، مهما كانت المسافة بعيدة؛ كأن تكون هي في تونس وهو في داخل بلاد الصين التي ليس فيها سكك حديدية، وذلك الاحتمال أن تطوى له الأرض كرامة، فيجيء من الصين إلى تونس فيغشاها، ويعود إلى مكانه في ليلة واحدة!!. أكثر مثل هذا بعض الحنفية الذين قال بعضهم: بأن مدعي طي المسافة يكفر! وإذا نحن بيّنا أحكام الحمل على الظاهر من إطلاق القرآن الحكيم المطابق للواقع المعروف عند كل الناس، ولما يقرره الأطباء، وقلنا: إذا ثبت غير ذلك في حق بعض النساء، يكون من الشاذ النادر الذي لا يبنى عليه حكم، فإننا نسلم من كل تلك المخالفات والمفاسد، ولا نكون قد خرجنا عن هدي أئمتنا، فإنهم إنما كانوا يتبعون الدليل القوي إذا ظهر لهم، ولكن المقلدين المنسوبين إليهم يفضلون العمل بما في هذه الكتب التي بين أيديهم مهما ترتب على ذلك، فلا فائدة من مخاطبتهم بالدليل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل[1].

    [1] المنار ج12 (1909) ص 900-904.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 304 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة