• زيارة المسلم لغير المسلمين

    معلوم عند جنابكم أننا تحت تصرف حكومة نصرانية، وأن النصارى يزوروننا يوم عيدنا للتهنئة بالعيد ويطلبون منا مثل هذه الزيارة في أعيادهم، فهل نحن معذورون إذا زرناهم أم لا؟

    ثبت في الحديث الصحيح عند أحمد والبخاري وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه قبل مرضه، وقد استكبر الغلام وأبوه الفقير هذه العناية، ودعا النبي الغلام إلى الإسلام فقال له أبوه: أطع أبا القاسم. فأسلم، والحديث يدل على مشروعية الابتداء بالزيارة.

    قال الماوردي: «عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة»، أي أن العيادة في المرض ومثلها الزيارة جائزة، ولكنها لا تكون عبادة يتقرب بها إلى الله إلا إذا اقترن بها شيء مما هو مطلوب في الشرع كحرمة الجوار والقرابة. وحسبك أن تكون الزيارة في العيد وغيره مباحة. على أن القواعد الإسلامية ترشدنا إلى أن حسن النية في الأعمال المباحة تلحقها بالعبادات.

    هذا وأنت تعرف الفرق بين الذمي الداخل في حكمنا وبين من نحن داخلون في حكمهم، فإذا صح لنا أن نجامل من نحكمهم عملًا بمكارم الأخلاق التي هي أساس ديننا، أفلا يصح لنا أن نجامل من يحكموننا من غيرنا، ونحن أحوج إلى مجاملتهم لأجل مصالحنا، كما أننا نرى أنفسنا أحق منهم بمكارم الأخلاق؟ وكأني بمتعصب يقول: قال ابن بطال: «إنما تشرع عيادة المشرك إذا رجي أن يجيب إلى الإسلام».

    وأقول أولًا: إن كلامه في العيادة المشروعة؛ أي: المطلوبة شرعًا، ونحن نتكلم في العادات المباحة.

    وثانيًا: إن الحديث السابق لا يدل على الاشتراط، وقد أورد الحافظ ابن حجر كلامه في شرح البخاري ثم قال: «والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى»، وظاهر أن مصالح أهل الوطن الواحد مرتبطة بمحاسنة أهل بعضهم بعضًا، وأن الذي يسيء معاملة الناس يمقته الناس فتفوته جميع المصالح، لا سيما إذا كان ضعيفًا وهم أقوياء، وإذا أسند سوء المعاملة إلى الدين، يكون ذلك أكبر مطعن في الدين.

    فلك أيها السائل ولغيرك من المسلمين أن تزوروا النصارى في أعيادهم وتعاملوهم بمكارم الأخلاق أحسن مما يعاملونكم، ولا تعدوا هذا من باب الضرورة فإنه مطلوب لذاته، مع حسن النية واتقاء مشاركتهم في المحرمات كشرب الخمر مثلًا والله أعلم وأحكم[1].

    [1] المنار ج6 (1903) ص26.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 31 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة