• العمل بخبر التلفون والتلغراف في الصوم والفطر

    حدث عندنا تناقض بسبب هلال الفطر (في رمضان الماضي) فإن بعض البلاد التونسية أفطروا يوم الخميس الموافق الرابع عشر أكتوبر، وحيث تأخر ورود صك الرؤية على قاضي الحاضرة إلى ما بعد عصر الخميس فإن الإعلان بالفطر لأهالي مدينة تونس لم يقع إلا مع غروب الشمس، بحيث إنهم صاموا يوم العيد كله لأن القواعد الشرعية التي عليها عمل فقهاء تونس لم تجوّز للمسلمين بهذه البلاد أن يعتمدوا ما يبلغهم من مشاهدة هلالي الصوم والفطر على طريق التلغراف أو التليفون، لأن التلغراف بيدِ غير المسلمين والتلفون يرد عليه «أن الصوت يشبه الصوت» كما أن «الخط يشبه الخط».

    ومن أجل هذا طلبنا لعلمائنا أن يلتمسوا لنا من وجوه الفقه ما يساعد على العمل بالتلغراف، لا سيما وأن الريبة في التبليغ تنتفي إذا جعلنا الإشعار بالرؤية في أطراف المملكة لا تكون إلا بالطريقة الرسمية أي بواسطة تلغراف يرد من الحكومة المحلية أي الجهة التي شوهد فيها الهلال إلى مركز الحكومة بتونس، وأن يكون المخاطب بالتلغراف مأمورًا مسلمًا كما أن المخاطب به من المسلمين.

    وعسى أن فضيلتكم تتوفق للتأمل في هذه المسألة العويصة وتنشر لقراء المنار ما يعينهم على الاهتداء لحل عقالها سواء كان ذلك بتونس أو بالبلاد الأخرى.
     

    أرسل هذا السؤال إلى مصر ومنها إلينا في القسطنطينية، والخطب عندنا في المسألة سهل لولا أن أكثر المسلمين صاروا لا يحبون السهولة واليسر في الدين وهو من أصول الإسلام بنص الكتاب والسنة، فالعمدة في الشرع على ما يحصل به التصديق والاطمئنان من الأخبار أو العلامات التي تدل على ثبوت أول الشهر، وكل من التلغراف والتلفون طريق من طرق التصديق والاطمئنان، وقد بيّنا ذلك في المنار غير مرة وقد اطلعنا في هذه الأيام على فتوى في المسألة لشيخ الأزهر وهو أكبر علماء المالكية وأشهرهم بمصر وأكثر أهل تونس من المالكية فنحن نورد لهم الفتوى بنصها وهي: «صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر حفظه الله: «أتشرف بأن أقدم لكم دام النفع بعلمكم فيما يسأل عنه أهل السودان المالكيون وهو أنه قد جرت العادة عندهم في هذه السنين أن يرسل إليهم بواسطة التلغراف من الديوان الخديوي باسم بعض رؤسائه، أنه قد ثبت شرعًا أن أول رمضان يوم كذا، وربما لم ير أحد منهم الهلال مع الصحو فمنهم من يعتمد على التلغراف ويصبح صائمًا، ومنهم من يزعم أن الصوم منوط برؤية الهلال فيصبح مفطرًا، وإذا مضى بعد وصول الخبر إليهم ثلاثون يومًا ربما لا يرى أحد منهم هلال شوال ليلة إحدى وثلاثين من الصحو، ولا يأتيهم فيها خبر بالتلغراف عما ثبت شرعًا بمصر، وأيضًا ربما كان حكم الحاكم المخالف بثبوت الصوم مبنيًا على شهادة عدل واحد أو كان حكمه بالصوم مبنيًا على رؤية عدلين، وإذا لم ير هلال شوال ليلة إحدى وثلاثين مع الصحو لا يرى تكذيبهما، بل يرى تكميل العدد ثلاثين بعد رؤيتهما هلال رمضان، وكذلك حكمه بثبوت الصوم بناء على تمام شعبان الذي ثبت أوله برؤية عدلين ولم ير غيرهما هلال رمضان ليلة إحدى وثلاثين من منذ (؟) رؤيتهما هلال شعبان، وكل ذلك مخالف للمذهب المالكي، فماذا يصنع أهل السودان في صومهم وإفطارهم حتى يكون عملهم موافقًا للشرع، والحال كما ذكر في السودان أفيدونا مأجورين».

    كاتبه الفقير إليه، أبو القاسم أحمد هاشم. (بسم الله الرحمن الرحيم) «الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قد نص فقهاؤنا على أن يكون الصوم عند الحاكم وإن لم يحكم بالفعل وحكمه بالثبوت كل منهما يوجب الصوم على كل من نقل إليه سواء نقل بعدلين أو جماعة مستفيضة، ولو كان الناقل عدلًا واحدًا لأن هذا من الخبر الصادق لا الشهادة ولو كان المنقول إليهم ممن يعتنون بأمر الهلال.

    ونصوا أيضًا على الاكتفاء في الثبوت بالأمارات التي جرت العادة بها في إشهاد الثبوت كتعليق القناديل الموقدة على المنائر حيث جرت العادة أنها لا توقد إلا بعد الثبوت الشرعي، وكضرب المدافع كما هي العادة عندنا بمصر ومن هذا القبيل إرسال الخبر في السلك التلغرافي بل هو في زماننا أدل وأقوى وعليه اعتمدت الملوك والحكام في تبليغ أحكامهم ومخاطباتهم، وأفتى العلماء بكفايته في ذلك وهو في أيامنا هذه لا يرسل إلا بإذن الحاكم الشرعي بإشهار حكمه في جميع الجهات فهو كرسول أرسله لتبليغ حكمه فيجب الصوم على كل من بلغه من أول رمضان كما يجب الفطر على من بلغه به ثبوت رؤية هلال شوال، ومن خالف بعد بلوغه بصوم وإفطار فهو مخالف للحق والصواب الذي أفتى به العلماء.

    ولا عبرة باختلاف المطالع على ما هو المذهب إلا أن يبعد جدًّا كخراسان من الأندلس فإن كل قوم يعملون بما عندهم لا يجري عليهم حكم الآخرين كما حكى ابن عبد البر الاتفاق عليه، واحتمال أن الحاكم المخالف بنى الحكم على رؤية شاهد واحد في الغيم نادر جدًا، وعلى فرض من حصوله وتحقيقه، ففي المذهب قولان في لزوم الصوم وعدم لزومه يجوز العمل بكل منهما أو تقليد مذهب الحاكم والعمل عليه.

    وأما البناء على تمام العدد من ابتداء رؤية العدلين ولو لم ير الهلال ليلة إحدى وثلاثين مع الصحو لكون المخالف لا يرى التكذيب، فإن كان قد حكم بالفطر لزم الإفطار، وإن كان لم يحكم إلا بثبوت الصوم برؤية العدلين فليس ذلك حكمًا بالإفطار إلا أن يحكم حين الرؤية بموجب لزوم الصوم فيجب العمل به في الإفطار وأيضًا كما يجب العمل بكمال العدد إن كانت ليلة إحدى وثلاثين مغيمة، ومثل ذلك حكم بالصوم بكمال شعبان الذي ثبت أوله برؤية عدلين ولم ير غيرهما هلال رمضان ليلة إحدى وثلاثين من الصحو لكونه لا يرى التكذيب فيجب به الصوم قطعًا أو كان قد حكم بموجب ثبوت أول شعبان حين حكمه بثبوته فإنه يتضمن الحكم باعتبار تمام العدد من ابتداء الرؤية.

    وأما مسألة عدم رؤية هلال شوال مع الصحو ليلة إحدى وثلاثين مع عدم ورود خبر من مصر إليهم، فإنهم يصومون يوم الحادي والثلاثين احتياطًا للخروج من العبادة، والغرض عدم الرؤية مع الصحو، فإن كان غيم اكتفوا بكمال العدد وإذا جاءهم خبر الإفطار أثناء النهار أفطروا ولهم أن يقلدوا الحاكم في مذهبه ويعملوا على الكمال دون التكذيب، ويعملوا على رؤيتهم إن تباعد جدًا كما سبق عن ابن عبد البر حكاية اتفاق أهل المذهب عليه والذي أراه أن الأيسر في مثل هذه الأمور تقليد مذهب الحاكم المخالف أو اعتبار البعد جدًّا إن تحقق، والله تعالى أعلى وأعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».

    الفقير إليه تعالى شيخ الجامع الأزهر سليم البشري [1]
    [1] المنار ج13 (1910) ص187-191.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 323 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة