• محاربة المنار للتقليد ومذهبه

    توهم كثير من الناس أن صاحب المنار لم يتمسك بمذهب من مذاهب الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم بل هو مستقل بمذهبه، حتى قال بعضهم: إذا كان هو قد خرج من مذاهب الأئمة ورفض كتب المتقدمين وأخذ يجتهد، فإني لا أتبعه بل أتبع العلماء المتقدمين وأَطَّلِعُ على كتبهم وأقرأ فيها، فإن للاجتهاد شروطًا كثيرة بل نقل ابن حجر عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد (أي: مستقل).

    فما رأيكم في هذا الوهم؟ فهل تستحسنون أن تزيلوه وتبينوا مقاصدكم بالاستقلال أم تسكتون عليه؟ هذا والسلام نِعْمَ الختام.[1]

    قد تكرر بيان هذه المسألة في المنار، وصرحنا غير مرة بأننا لم نقصد قط أن ندون لنا مذهبًا نحمل الناس على اتباعه، وأننا لا ندعو أحدًا إلى تقليدنا بل لا نجيز له ذلك، وإنما ندعو المسلمين إلى البصيرة في دينهم اتباعًا لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

    فنحن باتباعه صلى الله عليه وسلم ندعو إلى الله عز وجل بفهم كلامه والتأسي برسوله مع البصيرة؛ أي: الدليل والحجة، فمن ظهرت له الحجة والبصيرة فيما نكتبه فاتبعها لا يكون مقلدًا لنا، وإنما يكون متبعًا للبصيرة التي يرضاها الله له، ولا ننهى أحدًا عن طلب البصيرة في الدين من كتب الأئمة المتقدمين، بل نأمر بذلك ونحث عليه، ونحب لكل الناس أن يستفيدوا منها كما استفدنا ونستفيد دائمًا.

    وإنما نذكرهم بأن يطلبوا منها البصيرة بفهم كلام الله وكلام رسوله واستبانة سنته، لا لأن يجعلوا كلام العلماء هو المقصود لذاته. فقد ذكر الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنهما في أول مختصره لمذهب الشافعي أنه نقله ليستعين به الطالب له. قال: مع إعلامه بأنه؛ (أي: الشافعي) لا يجيز له ولا لغيره أن يقلده به.

    فنحن نستعين بالمفسرين على فهم القرآن ولا نقلد أحدًا منهم في فهمه وإنما نتبع البصيرة متى استبانت ونستعين بكتب المحدثين والفقهاء على فهم السنة ولا نقلد أحدًا منهم في رأيه وإنما نتبع البصيرة، ونحث إخواننا على طلب البصيرة في الكتاب والسنة بقدر الاستطاعة، وإن كانوا متبعين لبعض المذاهب فهي لا تمنعهم أن يكون لهم حظ من الاهتداء والبصيرة.

    وليعلم السائلون وغيرهم أن الأصل في التقليد هو الثقة فقد جرت عادة الناس باتباع من يثقون به، ولهذا راجت بين المسلمين بدع وضلالات كثيرة باسم الإسلام كطوائف الباطنية، فمتى انقطع الناس عن فهم الكتاب والسنة انقطعت الصلة الحقيقية بينهم وبين دين الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وحرموا البصيرة التي هي سبيل الله واتبعوا السبل المختلفة مخالفين لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[١٥٣]﴾[2] [الأنعام: 153].

    ولذلك نهى أئمة الفقه الأربعة وغيرهم من أئمة السلف عن التقليد الذي هو الأخذ بكلام من يثق المقلد بهم من غير بصيرة في الكتاب والسنة، وكيف لا ينهون عن ذلك ويعلمون أنه يصد الناس عن سبيل الله ويحملهم على الاستغناء بكلام غير المعصومين الذين لا يسلم أحدهم من الخطأ مع حسن القصد فكيف إذا وثق الناس بفساد السريرة المتعمد لهدم الشريعة كالباطنية، وقد كان أحدهم يرجع عن كلامه بعد أن يكون نقل عنه.

    وقد رجع الشافعي بمصر عن مذهبه الذي وصل إليه اجتهاده قبل ذلك فصار الناقلون لعمله يقولون: المذهب القديم والمذهب الجديد وقد رأيت قول صاحبه المزني في عدم إباحته تقليد أصوله. وخلاصة القول: إننا ندعو المسلمين إلى الاهتداء بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كل بقدر استطاعته. وإن طالب الاهتداء من العامة يمكنه أن يسأل العلماء عن ذلك عند الحاجة إليه لا عن رأيهم وفهمهم لكلام المقلدين فقط كمتأخري الفقهاء، وقد فصلنا القول في ذلك من قبل تفصيلاً، ولا يتم هذا الاهتداء إلا بالعناية باللغة العربية.

    ولا شيء أضر على الإسلام في هذا العصر ممن يدعو إلى ترجمة القرآن إلى اللغات المختلفة ليستغني المسلمون بالترجمة عن القرآن المنزل من عند الله عز وجل بلسان عربي مبين، فالغاية من هذه المفسدة إذا وقعت (لا سمح الله) أن يكون الأعاجم من المسلمين عرضةً لترك الدين وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

    [1] المنار ج13 (1910) ص569-581.
    [2] وردت في المنار «لعلكم تذكرون».

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 334 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة