• صندوق التوفير في إدارة البريد وبيان حكمة تحريم الربا

    ما هو رأي سيادتكم في صندوق التوفير بعد تعديله الأخير؟ وهل يجوز الادخار فيه وأخذ أرباحه شرعًا؟ ولا يخفى على حضرتكم فوائده سيما أنه يربي ملكة الاقتصاد في الإنسان وهو ما يؤيده الشرع في ذاته. أفيدونا آجركم الله.
     

    إن التعديل الذي تعنونه قد كان برأي لجنة من علماء الأزهر جمعها أمير البلاد لأجل تطبيق إيداع النقود في الصندوق على قواعد الفقه المعروفة، وقد كتبوا في ذلك ما ظهر لهم وأرسلته (المعية) إلى الحكومة فعرضته على المفتي، وبعد تصديقه عليه أمرت بالعمل به.

    هذا ما اشتهر ونحن لم نقف على ما كتبوه فنبدي رأينا فيه، ولكننا مع ذلك لا نرى بأسًا من العمل به لأننا إنما ننتقد من الحيل على علماء الظاهر أو علماء الرسوم (كما يقول الغزالي) وينافي مقاصد الشرع الثابتة بالكتاب والسنة، كالحيلة في منع الزكاة، والحيلة في الربا الحقيقي الذي علل القرآن تحريمه بقوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، والذي فصل بينه وبين التجارة بقوله عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، فالتعاقد في عمل يفيد الآخذ والمعطي ببيع أو تجارة، والذي يفهم سبب تحريمه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130]، وذلك أنه كان في المدينة وغيرها من اليهود والمشركين من يقرض المحتاج بالربا الفاحش، كما نعهد من اليهود والخواجات في هذه البلاد، وفي ذلك من خراب البيوت ما فيه.

    فالحكمة في تحريم الربا إزالة نحو هذا الظلم والمحافظة على فضيلة التراحم والتعاون، أو فقل: أن لا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير إليه (كما قال الأستاذ الإمام) وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، ولا يخفى أن المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي والتي لولاها لفاتتهما المنفعة معًا لا تدخل في هذا التعليل ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279] لأنها ضده، على أن المعاملة التي يقصد بها البيع والإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع لا من قسم استغلال حاجة المحتاج. ولا يخفى أن إدارة البريد هي مصلحة غنية من مصالح الحكومة، وأنها تستغل المال الذي يودع في صندوق التوفير فينتفع المودع والعمال المستخدمون في المصلحة والحكومة فلا يظلم أحدهم الآخر.

    فالأرجح أن ما قالوه ليس من الحيل الشرعية وإنما هو من قبيل الشركة الصحيحة من قومِ المالُ ومن آخرين الاستغلال، فلا مانع إذن في رأينا من العمل بتعديلهم، على أن العبرة في نظر الفقه بالعقد؛ ولذلك يحتال بعض علماء الرسوم في الربا الحقيقي فيأكلونه بلا عقد، ويقولون: إن ذلك من قبيل البيوع الفاسدة، وهي صغيرة أو مكروهة، وهذا شيء لا يحلّ ولا نقول به.

    والحاصل أن المسألة قد أحلوها من طريق الفقه الظاهر، والباحث في الفقه الحقيقي، وهو حكمة الشرع وسرّه لا يرى ما ينافي حلها بناء على ما تقدم، والتضييق في التعامل يُفقر الأمة، ويُضعفها ويجعلها مسودة للأمم، والله أعلم وأحكم[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص28.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 33 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات