• ليلة النصف من شعبان

    أرسل السائل إلينا السؤال الآتي مع جواب السيد عثمان بن عقيل عليه، وكتب عليه ما يأتي: هذا جواب عن ذلك السؤال: هل المجيب مصيب في تأصيله ما ذكر في السؤال بما ذكر في الجواب أم مخطئ؟ وعن الأحاديث المذكورة فيه، هل هي صحيحة مروية عن سيد السادة أم لا؟ وعما هو الحق في هذه المسألة. أفيدونا به على صفحات المنار إحقاقًا للحق وإزهاقًا للباطل، فالله يديمكم ويرعاكم ويحفظكم.

    وهذا نص السؤال والجواب المسئول عنه:

    هذا السؤال صدر من جماعة من المسلمين من بندر سنغافورة.

    ما قولكم فيما يعمله الناس في ليلة النصف من شعبان من قراءة سورة يس المعظمة ثلاث مرات بنية مخصوصة، والدعاء المعروف بعد كل مرة، هل هو سنة وله أصل من الكتاب أو السنة أم لا؟ فإن بعض الناس يقول أنه بدعة ليس له أصل من الكتاب ولا من السنة، بيّنوا لنا حكم هذا العمل، وما هي البدعة وأقسامها بيانًا شافيًا أثابكم الله، آمين.

    الجواب، نسأل الله تعالى التوفيق للصواب، اعلموا وفقني الله وإياكم لمرضاته، أن هذا العمل الذي ذكرتم له أصل من السنة، وقد عمل به الخاص والعام من العلماء والصلحاء وعامة المسلمين في الأمصار والأعصار من غير إنكار ممن يعتبر قوله، أما أصله فقد قال العلامة الشيخ علي بن محمد الخازن في تفسيره لباب التأويل في معاني التنزيل في قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] إلى قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4].

    وروى البغوي بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان». وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. انتهى. وقال العلامة السيد علي بن عبد البر الونائي في رسالته المتعلقة بفضائل ليلة النصف من شعبان: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكتب الآجال من شعبان إلى شعبان» اهـ. وقال العلامة الشيخ سليمان الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. اهـ.

    وأما قول أكثر المفسرين: إن قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر، وقال الشيخ الجمل في حاشيته ما معناه: إن المراد منه ظهور تلك الأمور التي قدرها المولى عز وجل في قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي ظهورها للملائكة في ليلة القدر، وليس المراد أن تلك الأمور لا تحدث إلا في تلك الليلة، فقد جاءت الأخبار الصحيحة بأن الله تعالى قدر تلك الأمور في ليلة النصف من شعبان وسلمها للملائكة في ليلة القدر، انتهى.

    ثم قال: وهذا يصلح أن يكون جمعًا بين القولين، وقال أيضًا: وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى. انتهى. وقال السيد علي الونائي في رسالته المذكورة: وعن عثمان ابن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان ليلة النصف من شعبان نادى منادٍ هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه، فلا يسأل أحد إلا أعطاه إلا زانية أو مشركة، وفي رواية: ما لم يكن عشارًا أو ساحراً أو صاحب كوبة أو عطربة. وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها: إن الله يطّلع على عباده في ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمستغفرين، ويؤخر أهل الحقد بحقدهم، ثم أورد أحاديث كثيرة في فضل ليلة نصف شعبان إلى أن قال: ومما ينبغي ليلة النصف من شعبان أن يقرأ الإنسان بين صلاتي المغرب والعشاء سورة يس بتمامها ثلاث مرات: الأولى بنية طول العمر له ولمن يحبه، الثانية بنية التوسعة في الرزق مع البركة في العام، الثالثة بنية أن يكتبه الله من السعداء، ويأتي بالدعاء المشهور وهو: اللهم يا ذا المن... إلى آخره. انتهى.

    وأما تعريف البدعة وأقسامها فهي تعتريها الأحكام الخمسة: منها واجبة وهي كل ما يتوقف فعل شيء من الواجبات الشرعية به، فهو واجب أيضًا للقاعدة المقررة. ومنها مندوبة كبناء الرباطات والمدارس ونحوها، ومنها مباحة كالتوسع في لذيذ المأكل، ومنها مكروهة كزخرفة المساجد، ومنها محرمة ومكفرة كبدعة الرافضة والوهابية، وعليها قول الإمام الشافعي رضي الله عنه: ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، انتهى.

    فيما ذكر من الأحاديث ونصوص هؤلاء الأئمة يعلم أن قراءة يس في هذا السؤال له أصل وأي أصل، وأن القائل بأنها بدعة لعله متمسك بالعلم الجديد، أو أنه من قسم الخامس من المبتدعة لأنهم يضعفون الحديث الصحيح إذا خالف هواهم، ويصححون الحديث الموضوع إذا وافق هواهم، فمن أراد الاطلاع على هذا فعليه برسالتنا الآتية -إن شاء الله تعالى- المسماة بإعانة المرشدين على اجتناب البدع في الدين، وإلى هنا انتهى الجواب.[1]

    اعلم يا أخي قبل الجواب عن هذه الفتوى أن مصيبة الدين بالتقليد الذي ذمه علماء السلف كافة وأهل البصيرة من الخلف، ليست هي عبارة عما أجازه بعض المؤلفين من رجوع الجاهل إلى الإمام المجتهد، فيما لا يعلم حكمه من أمر دينه وأخذه بفتواه، وإن لم يذكر له دليلها من الكتاب والسنة، وإنما مصيبة التقليد السوأى هي أنها صرفت المسلمين عن الكتاب والسنة، وعن كتب الأئمة المجتهدين في الفقه وغيره، وعن الثقات الأثبات السابقين إلى تحقيق كل علم، صرفتهم عن هؤلاء إلى أناس من الجاهلين المقلدين لأمثالهم المتهجمين على الفتوى والتأليف والاجتهاد بغير علم. وإنما يأخذ الناس بأقوالهم لثقتهم بهم، وثقة العامي قريبة المنال، فإننا نرى في كل بلاد أناسًا من أدعياء العلم تثق بهم العامة لأنها تراهم أمثل من تعرفهم في ظاهر الصلاح أو قراءة الكتب، وهي لا تميز بين الكتب التي يعتمد عليها والتي لا يعتمد عليها. ونعرف أن كثيرًا من هؤلاء الموثوق بهم دجالون من أهل التلبيس، ومنهم من قرأوا قليلاً من مبادئ العلم، وولعوا بكتب من لا ثقة بدينهم ولا بعلمهم، ودرسوا وأفتوا بها وهم لا يميزون بين ما فيها من حق وباطل، وصحيح وسقيم، وإنما تعجبهم هذه الكتب المحشوة بالأحاديث الموضوعة والخرافات والبدع لسهولتها وعدم توقف فهمها على معرفة الاصطلاحات العلمية، كاصطلاحات علماء الحديث والأصول في نقد الحديث وما يحتج به منه وما لا يحتج به.

    نعرف في بلادنا كثيرًا من الشيوخ الذين وثقت بهم العامة، حتى في المدن التي فيها كثير من العلماء الذين يعتد بعلمهم ونقلهم، وأنهم ليكونون أكثر في البلاد التي تقل فيها العلماء وفي القرى، ومما يؤكد هذه الثقة حسن السمت ومظهر الصلاح والانتساب إلى بيوت العلم والشرف، فهؤلاء هم مثار الجهل والبدع في هذه الأمة، ولا سيما في هذه القرون الأخيرة، وقد ذكر بعض أخبارهم ابن الجوزي وغيره من العلماء.

    يدعي هؤلاء أنهم علماء مقلدون للأئمة، ولا يعرفون من كلام الأئمة شيئًا، ولا يقفون عند حدود ما أفتى به المشهورين من الفقهاء المنتسبين إلى أولئك الأئمة رضي الله عنهم، وهم مع هذا يحاربون متبعي الأئمة بحق إذا دعوهم إلى الحق بدلائل الكتاب والسنة، بل يحاربون الكتاب والسنة باسم أولئك الأئمة، قائلين: إن فهمهم لهما أصح من فهم فلان الذي يدعوكم إليهما الآن، سلمنا أن فهمهم أصح، فليأتنا هؤلاء الجاهلون بنصوصهم في تفسيرها، وليحاربونا بها، إنهم إنما يجيئون بكلام أمثالهم من العوام الذي تجرؤوا على التأليف ويلصقونها بالأئمة، والأئمة برآء منها، وماذا تفعل بثقة الجاهلين بهم، وقد انسد في وجههم باب التمييز بين الحق والباطل.

    من هؤلاء الشيوخ في بلاد جاوه الشيخ عثمان بن عبد الله بن عقيل، شيخ له سمت ونسب واطلاع على كثير من الكتب التي لا يعتد بها ولا تصلح للفتوى منها.

    يقول هذا الشيخ الوقور: إنه شافعي المذهب، وإن عمدته من كتب فقهاء الشافعية المتأخرين كتب ابن حجر الهيتمي، (أفلح الأعرابي إن صدق). ابن حجر يقول في فتاواه الحديثية: إن الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث لا يحل. ومن فعله عذر عليه التعذير الشديد، وذكر أن أكثر الخطباء كذلك، وأنه يجب على الحكام أن يمنعوهم من ذلك (راجع ص32 من هذه الفتاوى المطبوعة بمصر) فلماذا لم يأخذ الشيخ عثمان بهذه الفتوى؟ فهو يسئل عن مسألة هل لها أصل في الكتاب والسنة، فيورد أحاديث من رسالة الونائي ويقرها وهي لا تصح، وليست نصًّا في المسألة، ثم ينقل رأي هذا الرجل ويقره، ويجعل ذلك فتوى بأن للمسألة أصلاً في الكتاب والسنة، وهذا الونائي ليس إمامًا مجتهدًا ولا محدثًا حافظًا يعتد بنقله، وما نقله ليس نصًّا فيما ارتآه، فكيف جاز للشيخ عثمان بن عقيل أن يفتي برأيه، لعل هذا الونائي مثل ابن عقيل هذا، وستكون فتاوى السيد عثمان ورسائله مما يفتي به مثله من بعده، وتعارض بها نصوص الكتاب والسنة بناء على ادعائه الانتساب إلى الإمام الشافعي، وإن لم يعرف قوله ولم يفت به، هذه مقدمة لم نر بدًّا من بيانها.

    أقوال المحدثين والثقات في عبادات ليلة النصف من شعبان: روي في الموضوعات والواهيات والضعاف -التي لا يحتج بها- أحاديث في كثير من العبادات منها صلاة ليلة الرغائب من رجب، وليلة نصف شعبان. ولكن هذا الشعار الإسلامي المبتدع المعروف الآن لم يرد فيه شيء من ذلك، ولكنه عمل به في الجملة منذ القرون الأولى، ولهذا اغتر بصلاة رجب وشعبان بعض الفقهاء والصوفية كأبي طالب المكي وأبي حامد الغزالي على جلالة قدرهما، وسبب ذلك قلة بضاعتهما في نقد الحديث، وقد بيّن خطأهما المحدثون والفقهاء كالإمام النووي الذي هو عمدة الشافعية، وأطال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في بيان ذلك، وقد نقل كلامه شارحه السيد مرتضى الزبيدي ثم قال:

    وقال التقي السبكي في تقييد التراجيح: صلاة ليلة النصف من شعبان وصلاة الرغائب بدعة مذمومة. اهـ.

    وقال النووي: هاتان الصلاتان بدعتان موضوعتان منكرتان قبيحتان، ولا تغتر بذكرهما في القوت والإحياء، وليس لأحد أن يستدل على شرعيتهما بقوله صلى الله عليه وسلم: «الصَّلاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ» فإن ذلك يختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه، وقد صح النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة. اهـ.

    ثم قال الزبيدي: «وقد توارث الخلف عن السلف في إحياء هذه الليلة بصلاة ست ركعات بعد صلاة المغرب كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في الركعة منها بالفاتحة مرة والإخلاص ست مرات، وبعد الفراغ من كل ركعتين يقرأ سورة يس مرة، ثم يدعو بالدعاء المشهور بدعاء ليلة النصف، ويسأل الله تعالى البركة في العمر، ثم في الثانية البركة في الرزق، ثم في الثالثة حسن الخاتمة. وذكروا أن من صلى بهذه الكيفية أعطي ما طلب، وهذه الصلاة مشهورة في كتب المتأخرين من السادة الصوفية، ولم أرَ لها ولا لدعائها مستندًا صحيحًا في السنة إلا أنه من عمل المشايخ، وقد قال أصحابنا: إنه يكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي المذكورة في المساجد وغيرها، وقال النجم الغيطي في صفة إحياء ليلة النصف من شعبان بجماعة: إنه قد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة وفقهاء المدينة وأصحاب مالك، وقالوا: ذلك كله بدعة، ولم يثبت في قيامها جماعة شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وممن قال ذلك من أعيان التابعين خالد بن معدان وعثمان بن عامر ووافقهم إسحق بن راهويه، والثاني كراهة الاجتماع في المساجد للصلاة، وإليه ذهب الأوزاعي فقيه الشام ومفتيهم» اهـ.

    الخلاف الذي ذكره في قيام ليلة النصف من شعبان بما ذكر قد صرح بكراهة أصحابهم له أي الحنفية، والكراهة إذا أطلقت عندهم تنصرف إلى التحريم، ونقل مثل ذلك عن الشافعية والمالكية، فالنجم الغيطي من فقهاء الشافعية، وقد رأيت قبله قول السبكي والنووي الشافعيين في صلاتها، وأما الحنابلة فهم أشد من غيرهم نبذًا لما لم يثبت في السنة، ومن استحبها من علماء الشام كانوا مجتهدين، وليس لهم أتباع الآن، ومذاهبهم ليست مدونة، ونص الفقهاء على أنه لا يفتى بها.

    وقد بيّن المحدثون في كتب الموضوعات كل ما ورد في صلاة شعبان وقيامها وهو مما لا يعمل به ولو في الفضائل، قال في الفوائد المجموعة بعد إيراد شيء منها واغترار بعض الفقهاء كالغزالي وبعض المفسرين بها ما نصه: «وقد رويت صلاة هذه الليلة -أعني ليلة النصف من شعبان- على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها لذهابه صلى الله عليه وسلم إلى البقيع ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا، وأنه يغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة، على أن حديث عائشة رضي الله عنها هذا فيه ضعف وانقطاع، كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها، لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة على ما فيه من الضعف حيثما ذكرناه» اهـ.

    أما حديث «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان» فقد رواه ابن جرير والبيهقي عن عثمان بن محمد بن المغيرة -وهو ابن الأخنس بن شريق الثقفي- قال في الميزان: حدث عن محمود القزاز مجهول، وقال ابن المديني: روى عن سعيد بن المسيب مناكير.

    وأما قول ابن عباس المذكور -فإن صح عنه- لا يفيد في الباب شيئًا، وقد نقل عن الجمل أن هذا المعنى ثبت في الأحاديث الصحيحة، وليس قوله بشيء، فهذه كتب الصحاح في أيدينا ليس فيها ذلك، والجمل ليس بمحدث بل يغتر بما يرى في كتب التفسير التي لا تميز بين صحيح وسقيم، وقد قال المحدثون: إن بعض المفسرين والفقهاء اغتروا بما ورد في هذه الليلة، على أنه إن صح لا يفيد في تأييد فتواه، وقد صرح ابن العربي بأنه لا يصح مما ورد في هذه الليلة شيء، وهو ما قاله الزبيدي في شرح الإحياء.

    وأما حديث: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان» فقد ذكروه بألفاظ مختلفة، وهو حديث عليّ الذي قال في الفوائد المجموعة بضعفه، وقد رواه ابن ماجه من أصحاب السنن عن ابن أبي سبرة وهو ضعيف كما صرح محشي هذه السنن نقلًا عن الزوائد، بل نقل عن الإمام أحمد وابن معين أنه كان يضع الحديث، وروى ابن ماجه حديث عائشة أيضًا، وقد علمت أنهم صرحوا بضعفه وانقطاع سنده عن الترمذي. وهو أمثل ما ورد في هذه المسألة. وروى ابن ماجه أيضًا حديث: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» وهو عن الوليد بن مسلم المدلس عن عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف. ورواه غيره أيضًا.

    ويعارض هذه الروايات في خصوصية ليلة النصف من شعبان أحاديث الصحيحين في نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا وقوله: هل من مستغفر هل من تائب، وحديث مسلم في عرض الأعمال كل اثنين وخميس، والمغفرة لغير المشركين والمتشاحنين.

    وجملة القول أن الشعائر التي تقام في ليلة النصف من شعبان ليس لها أصل صحيح في الكتاب ولا في السنة، وأن الروايات التي ذكرها ابن عقيل غير صحيحة، وهو لجهلة بالحديث لم يرجع فيها إلى كتب المحدثين، بل نقلها عمن لا يعتد بهم، ثم أنها لا تدل على مشروعية ما سئل عنه وهو قراءة يس والدعاء بالصفة التي ذكرها، وإن هذه العبادات في تلك الليلة، وليلة الرغائب قد حدثت في القرون الأولى فقبلها كثير من العباد والمتصوفة، وأنكرها المحدثون والفقهاء لعدم ثبوت أصلها، ولأن الله تعالى قد أكمل الدين، فمن زاد فيه كمن نقص منه كلاهما مبتدع. وقد أنكر عثمان بن عقيل على الذين يصححون أو يضعفون الأحاديث بالهوى وهو منهم، فإنه يتكلم في الأحاديث بغير علم، ولو كان من أهل العلم بها لما اعتمد في نقلها على الونائي والجمل، وترك البخاري ومسلمًا وأصحاب السنن الأربعة وأضرابهم، كما ينكر على الذين يفتون بالدلائل من الكتاب والسنة بعلم، ويفتي بها بغير علم، ولو كان في بلاد لها حكومة إسلامية لمنع من الفتوى وعوقب عليها، ولكن جاهه وقوته في الاستناد على حكومة غير إسلامية في بلاد ليس فيها علماء ومحققون.

    وأما ما ذكره في مسألة البدعة فلا يصح على إطلاقه، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة، ولذلك صرح بعضهم بأن البدعة الشرعية لا تكون إلا ضلالة، وأما البدعة اللغوية فهي التي تعتريها الأحكام الخمسة. فكل ما لا دليل عليه في الكتاب والسنة من أمر الدين، كالعبادات والشعائر الدينية فهو بدعة سيئة وضلالة محققة، وعليها تحمل الكلية في الحديث، وما في معناه من الأحاديث الكثيرة. وأما ما سوى الأمور الدينية المحضة؛ وإن كانت نافعة في الدين؛ كالعلوم والفنون المسهلة لفهمه والتفقه فيه، فهي التي تعتريها الأحكام الخمسة فيحكم فيها بحسب ما فيها من النفع أو الضرر أو عدمها. مثال ذلك: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولا يتم الجهاد في هذا الزمان إلا بالعلوم والفنون العسكرية التي لم تكن في العصر الأول، ولا دليل عليها بخصوصها فهي واجبة حتمًا، وإن كانت من العلم الجديد الذي يجهله فيعاديه الشيخ عثمان بن عقيل، فقد قال في آخر فتواه: «فيما ذكر من الأحاديث ونصوص هؤلاء الأئمة، يعلم أن قراءة يس في هذا السؤال له أصل وأي أصل، وأن القائل بأنها بدعة لعله متمسك بالعلم الجديد أو أنه من قسيم الخامس (كذا) من المبتدعة» إلخ. وأنت ترى أن الأحاديث التي ذكرها ليس فيها ذكر لقراءة يس، فهل يكتب مثل هذا من يعقل ما يكتب، وإذا كان يفتي بالشيء ويعزوه إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ذكر له ولا إشارة فيما أورده منها على كونه مما لا يحتج بمثله، فهل يلتفت إلى قوله: لعل القائل بأنها بدعة متمسك بالعلم الجديد... إلخ. ثم ما هو العلم الجديد الذي يعاديه ويعرض بأهله، وماذا عرف هو من العلم القديم، ومن قال إن الونائي من الأئمة الذين يؤخذ بأقوالهم، وتجعل آراؤهم أحاديث نبوية؟

    تتمة لا بد منها- إن الذين يقرءون سورة يس في ليلة النصف من شعبان يذكرون قبل قراءتها كل مرة حديث «يس لما قرئت له»، وقد قال الحافظ السخاوي: إن هذا الحديث لا أصل له، كما في كتاب تمييز الطيب من الخبيث[2] وكتاب اللؤلؤ المرصوع[3] فهل يدلنا الشيخ عثمان على أحد من أصحاب العلم القديم قال إن هذا الحديث صحيح، وإلا فلماذا لا ينكر على الجماهير كذبهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد فيه من الوعيد ما ورد؟

    [1] المنار ج14 (1911) ص250-257.
    [2] ابن الديبع الشيباني، تمييز الطيب من الخبيث في ما يدور على ألسنة الناس من الحديث. المطبعة الشرقية، 1324هـ.
    [3] محمد بن خليل القارقجي، اللؤلؤ المرصوع فيما قيل له أصل وبأصله موضوع. القاهرة، لا تاريخ.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 375 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة