• إعطاء مال الزكاة لجماعة الدعوة والإرشاد

    هل يجوز إعطاء جماعة الدعوة والإرشاد من مال الزكاة؛ ليضعوه في مشروعهم الخاص بالمسلمين، فإن جاز فهل يجوز نقلها لهم لمحلهم ولو كان أبعد من مسافة القصر كَمِن الإسكندرية لمصر؟

    يجوز إعطاء جماعة الدعوة والإرشاد من مال الزكاة؛ لأنها تنفق هذا المال في مصارفه الشرعية؛ لأنها تعلّم طائفة من الفقراء والمساكين وتربيهم وتنفق عليهم، ومن هذه المصارف ما فرضه الله تعالى لصنف المؤلفة قلوبهم، وهذه الجماعة هي الجديرة بمعرفة هذا الصنف والاستعانة بمال الزكاة على تأليف أفراده؛ ليتمكن الإيمان من قلوبهم بتصديها للدعوة إلى الإسلام.

    وقد اختلف الفقهاء في جواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر، فمنعه بعضهم واستدلوا بحديث معاذ عند الشيخين؛ إذ أمره عندما أرسله إلى اليمن أن يأخذها من أغنيائهم ويضعها في فقرائهم، وما في معناه. وأجازه آخرون لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل عماله فيأتون بالزكاة من الأعراب إلى المدينة فينفق منها على فقراء المهاجرين والأنصار، وهذا معروف مشهور، وحديث معاذ وغيره ليس فيه ما يدل على منع النقل، ولكنه قد يدل على أنه خلاف الأصل؛ إذ النقل لا يكون إلا لسبب أو مصلحة، وهذا هو المختار عندي في المسألة.

    تظهر حكمة الشرع ظهورًا بيّنًا في قيام أغنياء كل بلد بسد ضرورات وحاجات الفقراء والمساكين فيها، فإن البائس المعوز الذي تراه هو أولى برحمتك ورعايتك ممن تسمع ببؤسه وإعوازه على البعد، وأجدر أن تحول بينه وبين حسده لك على ما يرى من نعمتك، وتمني زوالها عنك، وإنما يكون ذلك بأن تفيض عليه منها، وتجعل له نصيبًا فيها، والبلاد المجاورة لبلدك التي تعرف فقراءها أو يعرفونك حكمها حكم بلدك، وهي التي يتردد أهلها بعضهم على بعض عادة، وإن كانت دون مسافة القصر، فهذه المسافة التي يقدر بعض الفقهاء بها لا دليل عليها، ولا يظهر ما ذكرنا من الحكمة ولا غيره فيها.

    وحديث معاذ في أهل اليمن كافة، فهو إن دل على منع نقل الزكاة، فإنما يدل على منع نقلها من القطر اليماني الذي جعل عاملًا عليه إلى الحجاز وغيره من البلاد التي لا ولاية له عليها، فالمنع لأجل الولاية لا لأجل المسافة، فيكون مخصوصًا بما يأخذه الولاة والعمال كزكاة الأنعام والزرع. وإما ما يوزعه المالك من زكاته فلا دليل على الحجر عليه فيه.

    ويظهر من عبارة الحديث أيضًا تخصيصه بسهم الفقراء والمساكين، ويلزمه سهم العاملين عليها خاصة لأنهم يأخذونه مما يجمعونه. فالذي يجمع زكاة أهل اليمن مثلًا لا يأخذ سهمه من زكاة أهل الحجاز. وهذا إذا كان كل وال يوزع زكاة البلد الذي يتولاه فيه.

    وكذلك المؤلفة قلوبهم والغارمون وأبناء السبيل يعطون سهامهم حيث يوجدون، والأقرب منهم أولى من الأبعد على ما ذكرنا في الفقراء، فلا يتجاوز الأقرب مكانًا أو نسبًا إلا لمصلحة؛ كأن يرى المزكي أن من في البلد الآخر أحوج، أو أن إعانته أنفع. وأما السهم الذي في سبيل الله فمجاله أوسع ولا سيما على ما اختاره الأستاذ الإمام من شموله لمصالح المسلمين العامة كلها. [1]

    [1] المنار ج14 (1911) ص575-576.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 391 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة