• كيفية المعراج

    المعراج كيف كان؟[1]

    لا ندري كيف كان المعراج، ولا نقطع فيه بشيء، فإنه خصوصية أكرم الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم فأراه من آياته في عالم الغيب والشهادة ما لم يرَ غيره من البشر، فإن في رواياته أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى يصلي في قبره بالكثيب الأحمر، ورآه في السماء السادسة، وفيها أنه رأى في السماء آدم ونسم بنيه عن يمينه وشماله، وصلى بالأنبياء إمامًا ببيت المقدس، ورآهم في السماء، ورأى العصاة يعذبون في صور غير صورهم التي كانوا عليها في الدنيا، ولم يقل أحد من المسلمين أن موسى أو آدم رفع بجسده إلى السماء، فما قولك بنسم بني آدم كلهم، ولا أن العصاة يبعثون بأجسادهم قبل يوم القيامة.

    وظاهر هذا أن تلك المرائي روحانية كما قال بعضهم أو منامية كما قال آخرون، وذكرنا الفرق بينهما في الجزء الماضي، ومنه ما ورد في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم تمثل له بيت المقدس وهو بمكة، فوصفه لمن سأله عنه من المنكرين.

    وقد أورد على ما نشرناه في الجزء الماضي إشكالًا، وسئلنا عن حلهما كتابة ومشافهة: أحدهما- وهو قديم، لو كان الإسراء والمعراج في المنام أو بالروح فقط لما أنكرهما أهل مكة، ولما كان ذكرهما فتنة للناس، على أننا قد ذكرنا في جواب (س[47])[2] حل هذا الإشكال بالإيجاز.

    وأما بيانه بالتفصيل فهو أن الفتنة هي الاختبار الذي يتميز به الإيمان اليقيني من عدمه، فالمؤمن الموقن بصدق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به، وإن كان من الأمور المخالفة للعادات والمألوفات، فإذا قال: رأيت كذا وكذا، مما هو ممكن عقلًا ممتنع عادة، ولم يبين له أنه ذلك في اليقظة أو في المنام يتحقق الاختبار، وتظهر درجة إيمانه ويكون النبي صادقًا في قوله: إنه رأى ذلك لأن فعل الرؤية البصرية والرؤيا المنامية واحد، فيقال في كل منهما رأيت، والإدراك إنما هو للروح، والجسد آلة لا يتقيد بها إلا ضعفاء الأرواح، ومن ذلك أحاديث فتاني القبر، فقد ورد أنهما يبهمان السؤال فيقولان للميت: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم وادعى أنه رسول الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60].

    ووردت الروايات الصحيحة في أن هذه الآية نزلت في شأن ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج. ولفظ (الرؤيا) حقيقة فيما يرى في المنام، ولذلك اضطر إلى تأويل الآية مَنْ جزموا بأن الإسراء والمعراج كانا في اليقظة، كما اضطر وا إلى تأويل رواية شريك في صحيح البخاري الدالة على أنهما كانا في المنام أو إلى القول بالتعدد، وبعضهم قال إنها غلط. وجملة القول أن آية الإسراء التي أوردناها آنفًا، وحديث شريك في البخاري يدلان على أن الرؤيا المنامية هي التي كانت فتنة للناس.

    نعم... إن الجمهور قد أولوا الآية، وقالوا في الحديث ما علمت، وأما إذا قلنا: إن المعراج روحي، وأنه كان بالصفة التي يعبر عنها الصوفية بالانسلاخ كما يأتي قريبًا، فلا وجه لاستغراب الافتتان بخبره مع التصريح بالانسلاخ والتجرد، وإن لم يصرح به حمله الناس على أنه بالروح والجسد وافتتنوا به. على أن افتتان بعض الناس واعتراضهم إنما ورد في شأن الإسراء فقط؛ ولذلك قال بعضهم: إن الإسراء هو الذي كان بالجسد والروح فقط دون المعراج، واختاره المازري في شرح مسلم.

    الإشكال الثاني- أورده عالم مشهور من القضاة في هذه الديار قال: إن الإسراء أو المعراج الروحي لا يعد من الخوارق؛ لأن بعض الهنود الوثنيين يميتون أجسادهم موتًا مؤقتًا، وتطوف أرواحهم في الأرض طائفة من الزمن، ثم تعود فتتصل ببدنها، فيخبر صاحبها عما رأت في تلك السياحة الروحية، وقد كان الإنكليز يسمعون مثل هذا عن الهنود ولا يصدقونه حتى اختبروه بأنفسهم، فأنام هندي أو أمات نفسه أمام بعضهم، ورأوا جسده جثة لا حراك بها، وعلموا منه أن روحه تقصد بلدًا معينًا، فلما عاد إلى حياته المعتادة أخبر بأن روحه جاءت ذلك البلد ورأت فيه كذا وكذا. فاستخبر أولئك المختبرون بعض معارفهم في ذلك البلد عما وقع فيها في تلك المدة، فوافق الجواب ما قاله الهندي. والجواب عن هذا على تقدير صحة الرواية من وجوه:

    أحدها- أن الإسراء والمعراج ليسا من المعجزات التي تحدى بها النبي صلى الله عليه وسلم للاستدلال على نبوته، لأن الاستدلال إنما يكون بما يدركه المنكرون بحواسهم ولا يشكون فيه.

    ثانيها- يكفي في تسمية الخارقة معجزة أن يعجز الناس عنها، وإن أتوا بشيء من نوعها ولا سيما إذا كان ما أتوا به دونها، فإبراء المريض من مرضه نوع واحد، والفرق بين أفراده عظيم فليس إبراء الأرمد كإبراء الأعمى، ولا إبراء المزكوم كإبراء المسلول، والروح التي تنسلخ من بدنها فتطوف في بقاع محدودة من الأرض وترى بعض المحسوسات فيها فقط، لا يقاس عملها بعمل الروح التي تطوف ما شاء الله أن تطوف في الأرض، وترى فيها أرواح الأنبياء والملائكة، ثم تعرج إلى السماء وترى ما ترى من آيات الله الكبرى كالجنة والنار، وتسمع وحي الله تعالى في الملأ الأعلى.

    ثالثها- أن المتكلمين يقولون: إن خوارق العادات تكون لغير الأنبياء، وتختلف أسماؤها باختلاف أحوال من تكون لهم، فتكون إرهاصًا ومعجزة وكرامة للأنبياء، الأول قبل البعثة، والثاني بعدها مع التحدي والثالث بدونه. وكرامة فقط للأولياء، ومعونة لمن دونهم من الصالحين، واستدراجًا للفساق والكفار، وفي كلامهم هذا مجال للأنظار.

    رابعها- أن الخوارق التي ذكروا لها هذه الأقسام، إنما جنسها المنطقي هو الأمر المخالف للمعتاد بين جماهير الناس بحسب الأسباب العامة المعروفة التي تنشأ عنها أعمالهم، ولا ينافي ذلك عند المتكلمين أن تصدر الخارقة عن كثيرين؛ ولذلك جوزوا أن تكون معجزة النبي كرامة لكثير من الأولياء، وذكروا وقائع في ذلك منها إبراء المرضى وإحياء الموتى والمكاشفات التي لا تحصى، وجوزوا أيضًا أن تصدر الخارقة عن كل أحد، وميزوا بينها بالأسماء التي سمعت. ومن الناس من يرد هذا ولا يقول به، فقد قال الشيخ محي الدين بن عربي شيخ الصوفية الأكبر في عصره: إن الخارقة لا تتعدد، فإن ما يتعدد لا يكون خارقًا للعادة، وهذا هو المعقول لا من حيث تطبيقه على معنى الخارقة فقط، بل يقال أيضًا: إن ما يتكرر لا بد أن يكون له سبب معروف وطريقة توصل إليه، كما توصل طريقة الصوفية سالكيها إلى ما يذكرون من الكرامات التي صارت عادة تتكرر لأصحابها، وإن كانت مخالفة للعادات التي عليها غيرهم، فالكشف مثلًا معتاد من صنف الأولياء، وإنما هو خارق للعادة عند جمهور الناس، وسببه الرياضات الروحية، ولأصحاب الرياضات البدنية أعمال معتادة بينهم خارقة للعادة عند غيرهم، كالمشي على الحبال وتعلقهم بها من أرجلهم، وإلقاء أنفسهم من الأماكن المرتفعة، وما هو أغرب من هذا.

    هذا، وإن الانسلاخ الذي ذكر عند الهنود وطواف الأرواح وحدها، أو بأجساد من الأثير تشبه الأجساد المركبة مما نعلم منقول عن صوفية المسلمين، وللشيخ محيي الدين ابن عربي وقائع كثيرة فيه مذكورة في فتوحاته وفي غيرها، ويذكرون لأنفسهم معارج روحية، ويقول محي الدين أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى السماء 30 مرة. والله أعلم.

    وإننا نورد هنا ما قاله ولي الله الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة[3] في الإسراء والمعراج على طريقة الصوفية؛ لتعرف المذاهب والآراء المشهورة فيهما كلها، وهذا نصه: «وأسري به إلى المسجد الأقصى ثم إلى سدرة المنتهى وإلى ما شاء الله، وكل ذلك لجسده صلى الله عليه وسلم في اليقظة، ولكن ذلك في موطن هو برزخ بين المثال والشهادة جامع لأحكامهما، فظهر على الجسد أحكام الروح، وتمثل الروح والمعاني الروحية أجساد؛ ولذلك بأن لكل واقعة من تلك الوقائع تعبير، وقد ظهر لحزقيل وموسى وغيرهما عليهما السلام نحو من تلك الوقائع، وكذلك لأولياء الأمة؛ ليكون علو درجاتهم عند الله كحالهم في الرؤيا والله أعلم».

    «أما شق الصدر وملؤه إيمانًا، فحقيقته غلبة أنوار الملكية وانطفاء لهب الطبيعة وخضوعها لما يفيض عليها من حظيرة[4] القدس. وأما ركوبه على البراق فحقيقته استواء نفسه النطقية على نسمته التي هي الكمال الحيواني، فاستوى راكبًا على البراق كما غلبت أحكام نفسه النطفية على البهيمية وتسلطت عليها. وأما إسراؤه إلى المسجد الأقصى؛ فلأنه محل ظهور شعائر الله، ومتعلق همم الملأ الأعلى، ومطمح أنظار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه كوة إلى الملكوت. وأما ملاقاته مع الأنبياء صلوات الله عليهم ومفاخرته معهم، فحقيقتها اجتماعهم من حيث ارتباطهم بحظيرة القدس، وظهور ما اختص به من بينهم من وجوه الكمال.

    «وأما رقيه إلى السماوات سماء بعد سماء، فحقيقته الانسلاخ إلى مستوى الرحمن منزلة بعد منزلة، ومعرفة حال الملائكة الموكلة بها، ومن لحق بهم من أفاضل البشر والتدبير الذي أوحاه الله فيها، والاختصام الذي يحصل في ملأها. وأما بكاء موسى فليس بحسد، ولكنه مثال لفقده عموم الدعوة وبقاء كمال لم يحصله مما هو في وجهه. وأما سدرة المنتهى فشجرة الكون، وترتب بعضها على بعض وانجماعها في تدبير واحد، كانجماع الشجرة في الغاذية والنامية ونحوهما، ولم تتمثل حيوانًا لأن التدبير الجملي الإجمالي الشبيه للسياسة الكلي أفراده، وإنما أشبه الأشياء به الشجرة دون الحيوان، فإن الحيوان فيه قوى تفصيلية والإرادة فيه أصرح من سنن الطبيعة. وأما الأنهار في أصلها فرحمة فائضة في الملكوت حذو الشهادة وحياة وإنماء، فلذلك تعين هنالك بعض الأمور النافعة في الشهادة كالنيل والفرات. وأما الأنوار التي غشيتها فتدليات إلهية، وتدبيرات رحمانية، تلعلعت في الشهادة حينما استعدت لها. وأما البيت المعمور فحقيقته التجلي الإلهي الذي يتوجه إليه سجدات البشر وتضرعاتها، يتمثل بيتًا على حذو ما عندهم من الكعبة وبيت المقدس، ثم أتي بإناء من لبن وإناء من خمر فاختار اللبن، فقال جبرئيل: «هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَمَّا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ»، فكان هو صلى الله عليه وسلم جامع أمته ومنشأ ظهورهم، وكان اللبن اختيارهم الفطرة والخمر اختيارهم لذات الدنيا، وأمر بخمس صلوات بلسان التجوز لأنها خمسون باعتبار الثواب، ثم أوضح الله مراده تدريجًا ليعلم أن الحرج مدفوع وأن النعمة كاملة، وتمثل هذا المعنى مستندًا إلى موسى عليه السلام، فإنه أكثر الأنبياء معالجة للأمة ومعرفة بسياستها» اهـ.

    تنبيه- ذكرت في الجزء الماضي من المنار أن حديث المعراج مضطرب، وعنيت بهذا اضطراب المتن. وقلما يطلقون لفظ الاضطراب ويريدون به المتن.

    [1] المنار ج14 (1911) ص732-736.
    [2] المنار ج14 (1911) ص668-669. أنظر أعلاه الفتوى رقم 394.
    [3] ولي الله الدهلوي، حجة الله البالغة. تحقيق السيد سابق. القاهرة، دار الكتب الحديثة، 1968. ص866-868.
    [4] وردت في المنار «عالم».

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 399 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة