• الحلف بالرسول والحلف بغير الله

    سأل سائل عن الحلف بغير الله تعالى فقال قوم: يجوز الحلف برسوله صلى الله عليه وسلم، فأنكرتُ ذلك لعدم مشروعيته، فنسب آخرُ للمنار تقرير جواز الحلف بغير الله تعالى من نبي وولي، فأسأل من فضيلتكم بيان الحق بهذه المسألة على صفحات المنار بدون إحالة على أعداد سابقة خدمة للدين المبين واقبلوا في الختام سلام واحترام.
     

    صح في الأحاديث المتفق عليها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله، ونقل الحافظ ابن عبد البر الإجماع على عدم جوازه.

    قال بعضهم: أراد بعدم الجواز ما يشمل التحريم والكراهة؛ فإن بعض العلماء قال: إن النهي للتحريم وبعضهم قال: إنه للكراهة.

    وبعضهم فصَّل فقالوا: إذا تضمن الحلف تعظيم المحلوف به كما يعظم الله تعالى كان حرامًا، وإلا كان مكروهًا.

    أقول: وكان الأظهر أن يقال أن المحرم أن يحلف بغير الله تعالى حلفًا يلتزم به فعل ما حلف عليه والبر به؛ لأن الشرع جعل هذا الالتزام خاصًّا بالحلف به أي بأسمائه وصفاته، فمن خالفه كان شارعًا لشيء لم يأذن به الله.

    وبهذا يفرق بين اليمين الحقيقي وبين ما يجيء بصيغة القسم من تأكيد الكلام وهو من أساليب اللغة، وقد قالوا بمثل هذه التفرقة في الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: «أَفْلحَ وأَبِيهِ إنْ صَدَق» فقد ذكروا له عدة أجوبة منها نحو ما ذكرناه، قال البيهقي: إن ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد للقسم، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف.

    قال النووي في هذا الجواب: إنه هو الجواب المرضي.

    وأجاب بعضهم بقوله: إن القسم كان يجري في كلامهم على وجهين للتعظيم وللتأكيد، والنهيُ إنما وقع عن الأول.

    وأقول: إن هذا عندي بمعنى قول البيهقي.

    وقيل: إنه نسخ وقيل: إنه خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم وقد ردوهما.

    والظاهر أن ما كان من حلف قريش بآبائها كان يقصد به التعظيم والالتزام ما حلف عليه، ولذلك كان من أسباب النهي وإلا فلأنهم مشركون غالبًا.

    روى أحمد والشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: «إنّ اللَّهَ يَنْهاكم أنْ تَحْلِفوا بآبَائِكُم، فمنْ كان حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه، أو لِيَصْمُتْ»، وفي لفظ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلف إِلَا بِالله» فكانت قريش تحلف بآبائها فقال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» رواه مسلم والنسائي.

    وروى الشيخان عنه أيضًا «مَنْ كَانَ حَاِلفًا فَلَا يَحْلِف إِلَا بِالله» رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو حصر، وفي معناه حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن حبان والبيهقي مرفوعًا «لَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ».

    فهذه الأحاديث الصحيحة، ولا سيما ما ورد بصيغة الحصر منها، صريحة في حظر الحلف بغير الله تعالى، ويدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عموم (غير الله تعالى)، والكعبة وسائر ما هو معظم شرعًا تعظيمًا يليق به؛ ولا يجوز أن يعظم شيء كما يعظم الله عز وجل ولا سيما التعظيم الذي يترتب عليه أحكام شرعية، ولقد كان غلو الناس في أنبيائهم والصالحين منهم سببًا لهدم الدين من أساسه واستبدال الوثنية به، ونسأل الله الاعتدال في جميع الأقوال والأفعال. [1]

    [1] المنار ج16 (1913) ص585- 586.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 473 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات