• ترك العمل يوم الجمعة

    ربما علمتم بحركة تجار دمشق واتفاقهم على إغلاق حوانيتهم ومحلاتهم في كل يوم جمعة، ولكن هذا لم يرق لبعض المشاغبين كالشيخ عبد القادر الخطيب المعلوم عند سيادتكم وأمثاله فتكلموا مع الوالي بعدم صلاحية ذلك وإجبار التجار على الشغل في ذاك اليوم، فطلب الوالي بعضًا من التجار وخاطبهم بهذا الشأن استحسانًا لا جبرًا، فما قبلوا فلما رأى الشيخ عبد القادر الخطيب المومأ إليه أن سعيه لدى الوالي لم يفده بشيء خطب في الجامع الأموي وقال: إنه لا يجوز الإغلاق في يوم الجمعة، واستدل بقول الخفاجي على أنه تشبه باليهود والنصارى وأورد الآية الكريمة الواردة بحق يوم الجمعة، وأنه لطلب الرزق إلى آخر ما أملاه عليه ضميره.

    فالمسألة أخذت دورًا مهمًّا في دمشق لذلك كتب إليَّ جماعة من التجار يطلبون أن أعرض هذا الأمر لفضيلتكم وتقدم لهم النصوص الواردة في يوم الجمعة، ومن علماء المذاهب الأربع في الأزهر، وترد إليهم ذلك حالًا فلذا لكوني اعتبرت واعتادت الأمة الإسلامية الاستنارة بعميم فضلكم أرجوكم التفضل بكتابة ما ورد بحق يوم الجمعة. وسبق منذ ثلاث سنين سألت فضيلتكم مثل هذا السؤال من السودان وأجبتم عليه في المنار وبه عمل. فأدام الباري فضيلتكم سيدي. [1]

    سبق للمنار بيان هذه المسألة وفصلنا القول فيما ورد في يوم الجمعة في مقالات (المسلمون والقبط)، التي جردت من المنار وطبعت في رسالة على حدتها فيمكنكم إرسال نسخة منها أو أكثر إلى من كفلوكم أن تسألونا عن النصوص الواردة في يوم الجمعة.

    هذا وإن قول الشيخ عبد القادر الخطيب: إنه لا يجوز إغلاق المحلات التجارية يوم الجمعة -إن صح عنه- غريب جدًّا، لا من حيث إنه اجتهاد منه وهو يحرم الاجتهاد في هذا العصر، فإن هذا ديدن جميع الذين يغلطون بالإنكار على المصلحين الذين يدعون الناس إلى الاهتداء بالكتاب والسنة يزعمون أن هذا الاهتداء يستلزم الاجتهاد الذي أغلق أمثالهم بابه بالقول، فهم ينكرون الاجتهاد قولًا ثم تراهم يحرمون على الناس بأهوائهم ما أحله الله لهم ويستدلون على ذلك بما لا يدل عليه من الآيات والأحاديث، وهو عين ما ينكرون من الاجتهاد.

    والاهتداء بالكتاب والسنة الذي يدعو إليه المصلحون لا يستلزم مثل ذلك فإنه قد يكون مع الاستعانة على فهمهما بكلام ثقات المفسرين والمحدثين.

    فإذا كان من يدعي تحريم إغلاق المحلات التجارية يوم الجمعة أو كراهته شرعًا مقلدًا لأحد الأئمة فليأتنا بنص من كلامه أو نقل ثقات أصحابه المدونين لمذهبه في ذلك؛ وإن كان مجتهدًا فلكل أحد أن يسأله عن دليله، وفي السؤال أنه استدل على ذلك بقول الخفاجي: (إنه تشبه باليهود والنصارى) وهذا غير صحيح بل هو مخالفة لهم؛ لأن اليهود يتركون العمل يوم السبت وخالفهم النصارى فتركوا العمل يوم الأحد، فلو قال فيمن يتركون العمل يوم الأحد من المسلمين في بلاد مصر وبيروت إنهم تشبهوا بالنصارى لكان له وجه، وأما من يتركون العمل يوم الجمعة فلا وجه لدعوى أنهم متشبهون بهم إلا إذا صح الاستدلال بالشيء على ضده، فإن تشبه الإنسان بقوم إنما هو أن يفعل مثل فعلهم بحيث يشتبه حاله بحالهم فيظن من لا يعرفه أنه منهم.

    ولا يقول عالم ولا عاقل: إن التشبه بأجناس العمل العامة يكون محل بحث، وإلا لكان من مقتضى عموم التشبه أن تترك كل أعمال العمران التي سبقونا إليها من فنون وضروب الصناعة والزراعة والتجارة، وقد فصلنا مسألة تشبه المسلمين بغيرهم غير مرة، ومن أوسعها بيانًا الفتوى 69 من المجلد الرابع عشر[2] فليراجعها من شاء.


    [1] المنار ج16 (1913) ص586-587.

    [2] المنار ج14 (1911) ص907-911. انظر أعلاه فتوى رقم 421

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 474 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة