• إثبات الولاية بالرؤى والأحلام

    ما هو رأي المنار فيما رواه مُكاتب إحدى جرائد العاصمة (اللواء) بمركز ميت غمر تحت عنوان (ميت يتكلم).

    وخلاصة روايته تنحصر في أنه رأى في منامه كأن شخصًا يخبره بأنه مدفون في جزيرة بقريتهم، ويسأله تكليف العمدة بنقله لقبر آخر. فقصّ الرجل على العمدة رؤياه، وهذا قال له: من أين لنا معرفة محله؟ وفي الليلة التالية رأى من أتاه أولًا في نومه، يقول له: أخبر عمدتكم أن اسمي (عمرو بن وهب) وسأجعل لكم علامة على قبري فانقلوني، فكان بعد ذلك أنهم وجدوا علامتين عرفوا بهما محل القبر ففتحوه ووجدوا فيه ميتًا نظيف الثياب أسود اللحية؛ فنقلوه إلى قبر في غير الجزيرة إلى آخر ما في رسالة المكاتب.

    هذا ملخص تلك الرواية المدهشة التي نطلب من المنار الزاهر أنه يفيض القول عليها من جهة مطابقتها للعلم، سواء كان شرعيًّا أو وضعيًّا، مع مراعاة الجواب على تصور وضع العلامتين، وعدم طروء التحليل على هيكل ذلك الجسم، ووجه الاتصال بين الروح والجسد، وسماع صوت من جانب الميت على ما ورد في رسالة أخرى بتلك الجريدة جاءت تصديقًا للرواية الأولى، وذلك أن ناقلي الميت عندما رأوا جثته ذعروا، وولوا مدبرين فسمعوا (أقبلوا أقبلوا ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[٤١]﴾ [النازعات: 41]). ومن هو عمرو بن وهب في سير السابقين إن صح في رأي حضرتكم أن المسألة خوارق العادات، وتنطبق على الدين الحنيف من جهة إمكان وقوعها ولكم الفضل.
     

    أصابت الشمس جرة ماء فسخن جانبها الذي أصابته، فجاء الفيلسوف فحوَّل الجرة، وجعل الجانب الساخن إلى جهة الأرض والجانب البارد إلى الشمس، ثم نادى تلامذته وسألهم يمتحنهم عن العلة في كون الجانب المقابل للشمس باردًا والجانب الملاقي للأرض الباردة سخنًا؟ فطفقوا ينتحلون العلل، وهو يردها ويبيِّن فسادها، حتى اعترفوا بالعجز، وسألوه بيان العلّة الصحيحة.

    فقال لهم: إن الواجب أن يتثبت في معرفة الشيء أولًا، ثم يبحث عن سببه، وعلّته، وما سألتكم عنه غير حقيقي، وإنما قلبت الجرة لأختبر فطنتكم.

    وهكذا نقول: أثبت لنا أن الأمر وقع حقيقة بلا حيلة، وسل بعد ذلك: هل يصح أن نعتقد بأن الميت الذي رأوه أولًا في المنام، ثم كلمهم في اليقظة، هو من الأولياء؟ وما هو تاريخه؟ أمثال هذه الحكايات تكثر في الأمم الجاهلة المستعبدة للخرافات.

    ولقد روي أمثالها عن أهل أوربا في القرون المظلمة، حتى كان في بعض بلاد فرنسا موضع يسمونه (الشهداء) كانت الأموات تظهر فيه جهارًا لا سيما في الليل، ولما عقل الناس لم تعد تظهر!! فمن الناس من يكذب في هذه الحكايات المنقولة، ومنهم من يظهر غريبة من هذه الغرائب بالمواطأة مع أشخاص آخرين لمنفعة ما، ومنهم من تعرض له شبهات في ذلك نعرف كثيرًا منها، وليس هذا موضع شرحها، ولكننا سنذكر بعض الشواهد. أما حكم الرُؤى والأَحْلام في الشرع فهو: أنه لا يُبْنَى عليها حُكم، ولا يثبت بها شيء من الأشياء، حتى صرّح العلماء بأن من يرى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الرؤيا ويتلقى منه أمرًا أو نهيًا لا يجوز له في اليقظة أن يعتمد على ذلك؛ لعدم الثقة بضبطه لِمَا يرى وانتفاء اختلاط الأمر عليه فيه، ولأن الله تعالى لم يتوف نبيه إليه إلا بعد أن أتم الدين على يديه، ولم تبق حاجة إلى بيان آخر فيه «إلا أن يؤتيَ الله عبدًا فَهمًا في القرآن» كما ورد ولكن عوامَّ المسلمين وجهالهم كجهال سائر الملل يرون أن الرؤى والأحلام من أَرْكان العلم والعِرْفَان، لا سيما إذا كان موضوعها الخرافات والأوهام. وأما القول ببقاء أجساد الأولياء بعد الموت فهو من القول بغير دليل مع تكذيب الحسِّ لذلك، ومخالفته لسنة الله تعالى في تحليل الأجساد: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62].

    وورد في الأنبياء حديث عند أحمد وغيره، ولا يفيد القطع فيعارض الحس والنصّ لأنه من الآحاد، وورد ما يخالفه في يوسف عليه السلام، فقد أخرج الطبراني والحاكم من حديث أبي موسى والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عليّ أن موسى عليه السلام استخرج عظام يوسف من قبره بأمر من الله قبل خروجه من مصر، وصيغة الأمر هكذا: «إنك عند قبر يوسف فاحمل عظامه معك». وفيه أنهم: أخرجوا عظام يوسف. والناس يزورون قبر يوسف في جامع الخليل بفلسطين مع العلم بأنه دُفِنَ في مصر اعتمادًا على هذا الحديث، وأن موسى أحضر عظامه ودفنها هناك؛ فإذا بحثوا في سند الحديث، أو قالوا: لا يعتمد عليه لأنه من الآحاد، نقول: نعم، ولكنه موافق لسنة الله.

    والحديث الآخر على كونه من الآحاد معارض بسنة الله في الخلق التي قال في كتابه، وأثبت النظر في خليقته أنها لا تتبدَّ، ولا تتحوَّل، فإنْ لم تأخذ به فلنترك كل ما يقال في ذلك، ونهدم ذلك القبر، حتى لا نكون مزورين. وكذلك كلام الموتى مخالف لسنن الكون الثابتة بالعقل والنقل قطعًا، فلا نقول به إلا بدليل قطعيٍّ، كأنْ نشاهد بأعيننا ميتًا قد ثبت موته قطعًا ثم تكلم، ونحن نسمع منه من غير مظنة شعوذة ولا تلبيس. أما طرق التلبيس في هذا المقام فكثيرة نذكر حادثتَيْنِ منها على سبيل النموذج.

    في طرابلس الشام قبر وليّ يسمى (سيدي عبد الواحد) في حجرة عند باب مسجد منسوب إليه، وقد كانت الحكومة أسكنت في هذا المسجد طائفة من مهاجري الشركس بعد الحرب الروسية العثمانية الأخيرة، وقد حدث ذات ليلة أن فرّ أولئك المهاجرون من الجامع بنسائهم وأولادهم ومتاعهم زاعمين أنهم رأوا السيد عبد الواحد الولي خرج من قبره بهيئة نورانية، وصعد المنبر ووجْهه يتلألأ نورًا، وطردهم من هناك.

    اعترف بهذه الكرامة كبيرهم وصغيرهم وذكرهم وأنثاهم، وكانت شهادة حالهم أقوى دلالة على صدقهم من لسان مقالهم؛ إذ لولا ذلك لما خرجوا من ذلك المأوى الكثير المرافق، المتدفق الأمواه بتلك الهيئة المنكرة.

    حقًّا إنهم قد رأوا رجلًا خرج من القبر يتألق وجهه نورًا محسوسًا، وصعد المنبر وأشار بطردهم من المسجد، ولكن من هو ذلك الرجل؟ هل هو السيد عبد الواحد المدفون هناك من عدة قرون كما ينقلون؟ كلا، إنه الشيخ أحمد المغربي إمام المسجد وخطيبه، وابن ناظره، ضاق بوساختهم ذرعًا، ولم يجد حيلة لطردهم من المسجد إلا هذه الطريقة؛ لأن العوام عبيد الخرافات والأوهام، وقد استحضر مادة فسفورية، واختبأ بحيلة لم يدركوها تحت تابوت الخشب الموضوع على القبر من أول الليل وكان أخبر بعض أصحابه بما دبره من الكيد.

    فلما جنَّ الليل وأخذ القوم مضاجعهم مسح وجهه بالمادة النيِّرة، ثم أحدث في مرقده اضطرابًا وصوتًا نبههم، فهبوا وأسرعوا إلى جهة الحجرة فرأوا التابوت قد ارتفع، وخرج من الأرض رجل يزهر وجهه بالنور فولوا مذعورين وفتح هو الباب الذي كان يظنُّونه مقفلًا، ولكن مفتاحه كان معه وابتدر المنبر وأشار إليهم بوجوب الخروج من المسجد فلبوا خاضعين خاشعين. وقد سمعت هذا الحديث منه كما سمعه كثيرون. وحدثني إلياس أفندي الحداد الطرابلسي المقيم في القطر المصري، أنه مرَّ في عهد الحداثة بمقبرة ليلًا فرأى رجلًا خرج من أحد القبور ومشى أمامه على بعد، ورأى معه نورًا، فلم يشك في أنه أحد القديسين أو الشهداء، لأن اعتقاد عوامّ النصارى في ذلك كاعتقاد عوامّ المسلمين أخذ هؤلاء عن أولئك ما أخذوه عمّن قبلهم بالتقليد لِمَا يسمعون من العجائز والبله.

    فملكه الرعب ولم يكن له مندوحة عن السير، حتى إذا قرب من العمران الذي يقصده نبح كلب على هذا الرجل النوارني الذي كان يمشي بالنور أمام إلياس أفندي فأجابه هذا بالنُباح؛ فإذا هو كلب، وإذا بالموضع الذي خرج منه قبر منبوش، وإنما مثَّله الخيال رجلًا لأن الرائي لم يكن يعرف أن الكلاب ونحوها تبرق أعينها في الليل، وكانت الخرافات متمكنة من خياله، فلَمَّا رأى شيئًا غير معهود؛ إذ خرج من بطن الأرض بنور معه، لم يشك في أنه مثال لتلك الحكايات التي كان سمعها من بعض الجاهلين، وغلب خياله على حسِّه فكان من الواهمين.

    أمثال هذين الشاهدين يحار فيهما العقل الصغير قبل أن يسمع تأويلهما، وبيان الحقيقية فيهما، ولكن ذلك لا يمنعه أن يصدق ما يشابههما من الحكايات مما لا يظهر له تأويله إلا إذا نضب ينبوع الخرافات من خياله، وزال سلطان الوهم من قلبه. وهكذا يقيس الجاهل ما لا يعرف سببه على ما لم يعرف سببه، كما يرد العاقل ما لا يعرف إلى ما يعرف. وقد حدث مثل هذا الحُلم لرجل من أغنياء مديرية الجيزة، رأى في نومه وليًّا أخبره أنه مدفون في مكان كذا، وأخبره بنسبه. فاشترى قطعة من الأرض بثمن غال وبنى له فيها قبرًا مُشْرِفًا، وقبة عظيمة، فخسر بذلك من دينه وعقله أضعاف ما خسر من ماله. ومن المصائب أن الجرائد التي من وظيفتها محاربة الأوهام هي في مصر تزيد الناس غِشًّا. فقد سمعنا أن جريدة (اللواء) لما نشرت خرافة السؤال أقرَّتْها.

    فمثل هذه الجرائد كمثل رؤساء الأديان المضلِّين الذين يوافقون العامة على أهوائها لأجل الانتفاع بما عندها من الحُطَام، ولتمكين الجاه في نفوسها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص183.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 47 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة