• العَلَمَان وحكمة حدود عرفة

    لماذا أقاموا دون عرفة بِنَائَيْنِ عن اليمين والشمال تعرف بالعلمين؟ وكل من لم يكن خلف هذين البِنَائَيْنِ ليس مقبول الحج مع أنه تكلف العناء ووصل إلى ما دونهما؟ ولماذا يكون من خلفها مقبول الحج، وهو في لهوه ولعبه، وممارسة ما اعتاده في بلاده من الأعمال، ومن كان دونها غير مقبول، ولو كان على غير ذلك؟ وهل هذان البناءان حدّ فاصل بين الله والناس أو بين الجنة والنار.
     

    إذا كان من أركان الحج الوقوف بعرفة وجب أن يكون لعرفة حدود معينة، وإلا بطل معنى فرضية الوقوف فيها، وهكذا كل عبادة اعتبر في فرضيتها مكان أو زمان كالطواف والسعي بين الصفا والمروة وصيام رمضان وكون الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لا تحصل العبادة لمن خرج عن الحد المكاني أو الزماني، وأما مسألة القبول فهي شيء آخر: ما كل من أتى بأعمال العبادة الظاهرة نجزم بأن عمله مقبول عند الله تعالى، إذ يجوز أن يكون مرائيًا بعمله غير مخلص فيه، وإنما يتقبل الله من المتقين المخلصين، ولكن المخلص إذا لم يأت بالعمل الذي فرضه الله تعالى كما فرضه تعالى بحدوده من زمان ومكان، فلا مجال للقول بأن عمله مقبول؛ لأن العمل لم يوجد، فمن سعى إلى الحج ولم يدرك الوقوف بعرفة وراء العَلَمَين اللَّذيْن هما أول حد عرفة لم يدرك الحج حتى يبحث في قبول حجه وعدم قبوله، ومثله مثل من سعى إلى صلاة الجمعة ولم يدرك ركعة منها مع الإمام لا يقال: إن جمعته مقبولة أو غير مقبولة؛ لأنه لا جمعة له، وإن سعى إليها من أول النهار مخلصًا لله في ذلك، ولكن الله لا يضيع أجر من سعى إلى الحج أو الجمعة أو غيرهما من العبادات مع الإخلاص فيثيبه على ذلك وإن لم يسقط عنه الفرض، وكان لا بد في الجمعة من صلاة الظهر وفي الحج من أدائه تامًّا في ميقاته.

    وقد علم مما ذكرنا أن العَلَمَين حدٌّ لعرفة لا حَدٌّ بين الله والناس، ولا بين الجنة والنار. [1]

    [1] المنار ج16 (1913) ص686.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 479 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات