• ذكر المفتي للدليل

    لم شرَطتم على المفتي ذكر دليل الحُكْم للعامي مع أن كثيرًا من الأدلة يصعب جدًّا تفهيمه إيّاها فالتكليف به حرج شديد؟ وإذا وَسِعَ العامِّيّ أن يثق برواية المفتي فلم لا يسعه أن يثق بأنه أخذ فتواه من دليل صحيح؟ فإنّا إذا نظرنا إلى احتمال خطأ العالم في أخذ الحكم أو فتواه بما لا يعلم لزم أن ننظر إلى احتمال كذبه في الرواية أو في تفهيم مرويه، ولا أخالكم ترتابون في صعوبة تفهيم العامي بعض الأدلة لعلمكم بأن مأخذ الحكم قد يتركب من حديثين أو أحاديث أو من سنة وقرآن، ويحتاج تقريره إلى فطنة وإلمام بجملة علوم.
     

    ليْتكم ذكرتم في السؤال عبارتنا التي استنبطتم السؤال منها، فإننا لا نتذكر مسألة الشرطية ولا ننكرها، وإنما نذكر أننا كتبنا مرارًا أنه ينبغي للمعلم والمفتي في الدين أن يبين للناس نصوص الكتاب والسنة في المسائل ليعرفوا أصل دينهم، ومن أين أخذ الحكم الذي لقنوه أو أفتوا به، وهذا هو الواجب الذي أخذ على أهل الكتاب العهد أن يبينوه للناس ولا يكتموه، فإذا تعسّر أو تعذّر على بعضهم فهم الآية أو الحديث -بعد بيانه بقدر الاستطاعة- خرج المفتي من تبعة الكتمان.

    وأما المسائل التي لا نص فيها بعينها ويتعذر على السائل فَهْم مأخذها، كبعض مسائل المواريث التي يدخلها العول مثلًا، فلا بأس ببيان الحكم فيها بدون ذكر مأخذه.

    وأما تعويد الناس أخذ مسائل الدين بدون وصلها بأصلها من الكتاب والسنة، فهو قطع لحبل الله ورسوله بين المؤمنين، وهو الذي فتح للباطنية وغيرهم من المضلين، باب إضلال المسلمين؛ إذ صارت العامة تَقْبل كل ما يقال لها إنه من الدين، فهذا سبب ما رأيتموه وسميتموه اشتراطًا، ولولا ضيق الوقت لراجعنا ما تشيرون إليه من مظانه، وأجبنا عنه بعينه، والخَطْب سهل إن شاء الله تعالى. [1]

    [1] المنار ج17 (1914) ص187- 188.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 497 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة