• ربح صندوق التوفير

    كثيرًا ما سمعنا من الناس إباحة وضع الأموال في صناديق التوفير بالبريد وأخذ الفوائد منها، وذلك مما لا شك أنه الربا المحرّم بإجماع المسلمين لا نعلم بينهم خلافًا، ثم إذا ناظرناهم فيه استندوا إلى أن الأستاذ الإمام رحمه الله وغفر له أفتى بجوازه في فتوى رسمية، ولما كنا لم نرَ هذه الفتوى ولم نعلم وجهها وكنتم أخص الناس بالإمام وأعلمهم بأقواله وفتاويه لجأنا إليكم لتبينوا لنا فتوى الإمام، وهل هي لا تعارض الكتاب والسنة ثانيًا، خصوصًا وأن المجالس الحسبية قررت وضع أموال القاصرين في هذه الصناديق بناء على هذه الفتوى المزعومة كما يقولون، وليكن بيانكم شافيًا وافيًا كما هو دأبكم إن شاء الله تعالى.
     

    إن كان للأستاذ الإمام فتوى رسمية في مسألة صندوق التوفير فهي توجد في مجموعة فتاويه بوزارة الحقانية ومنها تطلب، وأنا لم أر له فتوى في ذلك، ولكنني سمعت منه في سياق حديث عن مقاومة الخديوي له وما حاصله: أن الحكومة أنشأت صندوق التوفير في مصلحة البريد بدكريتو خديوي (أمر عال) ليتيسر للفقراء حفظ ما زاد من دخلهم عن نفقاتهم وتثميره لهم، وقد تبين لها أن زُهاء ثلاثة آلاف فقير من واضعي الأموال في صندوق البريد لم يقبلوا أخذ الربح الذي استحقوه بمقتضى الدكريتو.

    فسألتني الحكومة هل توجد طريقة شرعية لجعل هذا الربح حلالًا حتى لا يتأثم فقراء المسلمين من الانتفاع به فأجبتها مشافهة بإمكان ذلك بمراعاة أحكام شركة المضاربة في استغلال النقود المودعة في الصندوق، فذاكر رئيس النظار الخديوي في تحوير الدكريتو الخديوي وتطبيقه على الشرع فأسرع فأظهر سموه الارتياح لذلك.

    ولما قال له رئيس النظار: إننا استشرنا المفتي في ذلك غضب غضبًا شديدًا، وقال: كيف يبيح المفتي الربا؟ لا بد أن أستشير غيره من العلماء في ذلك.

    ثم جمع سموه جمعية من علماء الأزهر في قصر القبة وكلفهم وضع طريقة شرعية لصندوق التوفير ليظهر أمام العامة بأنه هو المحامي عن الدين والمطبق للمشروع على الشريعة، وأن الحكومة كانت عازمة على إكراه المسلمين على أكل الربا بمساعدة المفتي لولا تداركه الأمر. وقد وضع له العلماء مشروعًا قدمته المعية لنظارة المالية.

    قال: وإن نظارة المالية عرضت عليّ ذلك المشروع لإقراره -أو قال للتصديق عليه- فوجدته مبنيًّا على ما كنت قلته للحكومة شفاهًا.

    هذا ما سمعت منه رحمه الله تعالى وأظن أنه قال: إن أولئك العلماء كانوا من فقهاء المذاهب الأربعة أو الثلاثة ولا أجزم بذلك.

    ومهما تكن صفة الطريقة التي وضعها العلماء لاستغلال أموال التوفير فلا يظهر عدّها من الربا المُجمع على تحريمه وهو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، وقد بينه الإمام أحمد لما سئل عن الربا الذي لا يشك فيه بمثل ما بينه غيره من أخذ الزيادة في مقابلة التأجيل فقال: هو أن يكون له دَيْن فيقول له -أي: إذا حل أجَل الدين- إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن لم يقض زاده هذا في المال وزاده هذا في الأجل.

    وذكر الفقيه ابن حجر في الزواجر أن الإنساء فيه كان بالشهور، ولهذا كان يتضاعف ويخرب البيوت[1].

    [1] المنار ج19 (1916) ص527- 529.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 526 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات