• إثبات استدارة الأرض ودورانها من القرآن

    هل في القرآن الشريف ما يؤيد قول القائلين باستدارة الأرض ودورانها حول الشمس[1]؟

    نعم إنهم يؤيدون هذه الدعوى بمثل قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5]، فإن هذا يكاد يكون نصًّا صريحًا في كروية الأرض. إذ به يتصور التفاف النور والظلام عليها، وما أحسن هذا التعبير وألطفه. ومثله قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: 54]، وهذا ظاهر في الدلالة على كرويّة الأرض أيضًا. ورأيت مختار باشا الغازي -وهو من تعرف في البراعة بالعلوم الفلكية- يقول: إن هذا دليل قطعي على الكروية وعلى دوران الأرض معًا، إذ لا يستقيم المعنى بدونهما. على أنه ليس من مقاصد الدين بيان حقائق المخلوقات وكيفيّاتها، وإنما يذكر ذلك في القرآن للعبرة والاستدلال على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته. أما كون حدوث الليل والنهار بسبب حركة الأرض فلا نعرف فيه نصًّا صريحًا في القرآن، ولكن يمكن أن يستنبط منه استنباطًا. وفي كتاب صفوة الاعتبار للشيخ محمد بيرم الخامس التونسي فصل في هذا الموضوع، تكلَّم فيه:

    أولًا: على إثبات كروية الأرض بكلام الحكماء والفقهاء والصوفية والاستدلال عليه ببعض الآيات القرآنية. ثم ذكر خلاف الحكماء في سبب الليل والنهار، هل هو حركة الأرض على محورها تحت الشمس، أم حركة الشمس بفلكها حول الأرض.

    وأن الثاني: هو الذي كان مرجّحًا عند المتقدمين ومنهم المسلمون، ثم قال ما نصه: «ثم أُحيي المذهب الأول، وتأكد الآن عند علماء العصر بهذا الفن، وأنكره المنتسبون للعلم من المسلمين، ظنًّا أن المذهب الأول من عقائد الإسلام، وأن المذهب الآخر مصادم للنصوص، والحق أن ليس شئ من هذا ولا من ذلك، هو مما يجب اعتقاده عندنا.

    وإنما المدار عندنا على الاعتبار بالآثار المشاهدة من الليل والنهار وأشباه ذلك، وإثبات جريان للشمس. وأما كيفيته فلا تعلق لها بالعقائد. وسير الشمس على كلا المذهبين؛ لأن المتأخرين يثبتون لها حركة رحوية على نفسها، وحركة ثانية على منطقة لها أيضًا، ثم حركة ثالثة لها مع جميع ما يتبعها من الكواكب حول شيء مجهول، كما أن هذه الدورة مجهولة المستقر أيضًا، وكأنها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[٣٨]﴾، وذلك أن المستقر أتى بلفظه مُنْكَرًا للإبهام، فيفيد أنه غير معلوم للخلق، ولهذا أُتِي به مضافًا إلى الشمس باللام فكان منكرًا.

    ولم يقل: مستقرها بالإضافة المفيدة للتعريف، لأن ذلك المستقر غير معروف، وعلماء هذا الفن الآن من غير المسلمين مقرّون بذلك، فهو حينئذ دليل إجماعي بيننا وبينهم.

    «ثم إن كون حدوث الليل والنهار هو من آثار دوران الأرض، ربما كانت آيات عزيزة تشير إليه، فمنها الآية المتقدمة (يعنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[٣]﴾ [الرعد: 3])، فإنه تعالى بعد أن ذكر الدلائل على وجوده من السماء؛ (أي: بقوله قبل هذه الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ [الرعد: 2] إلخ.) ذكر الدلائل الأرضية، وخرط فيها الليل والنهار، فيشير ذلك إلى أنها آثار الأرض؛ لأن وجودهما وإن كان يستلزم الشمس والأرض معًا، لكن تخصيصه بالانخراط في الدلائل الأرضية يدل على تعلق خاصٍّ، وهو كون دورانها هو السبب. على أن منطوق الآية فيه تدعيم لهذا، حيث قال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ فجعل الليل الذي هو ظلمة الأرض يغشى به النهار، الذي هو ضوء الشمس، ففيه تلميح إلى أن الأرض هي التي تحدث ذلك بفعل الله. «ومن الآيات المشيرة إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا[١] وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا[٢] وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا[٣] وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا[٤]﴾ [الشمس: 1 - 4]. فجعل النهار الذي هو مقابلة وجه الأرض للشمس مجليًّا.

    والليل الذي هو الظلمة الأصلية للأرض مُغشيًا لها [كان ينبغي أن يقول: غاشيًا لها] فأسند فاعلية ذلك لغير الشمس، بل لفاعل آخر هو الليل والنهار الذي هو من آثار الأرض.

    وإذا كان هذا ثابتًا، فما يدل من الآيات على طلوع الشمس وغروبها؟ وغير ذلك يمكن تأويله باعتبار الأبصار والعرف الجاري في اللسان»([2]) اهـ.

    وهو حسن، وأنت ترى الذين يعتقدون بأن الأرض تدور على محورها، فيكون الليل والنهار من ذلك يقولون: طلعت الشمس وغربت، ويقولون: غطست في البحر، وبينها وبين البحر مقدار كذا.

    [1] [المنار ج7 (1904) ص260].
    [2] صفوة الاعتبار.
     

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 56 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة