• علامات الاستفهام والتعجب وغيرهما في الكتابة العربية

    حصل لي توقف عند قراءة المنار الثاني من هذه السنة من استعمال طابعه أو مصححه للعلامات الإصلاحية عند الإفرنج من نقطة الاستفهام ونقطة التعجب وعلامة العطف إلخ، مع كون اللغة العربية غنية عن ذلك، وبالأخص منها القرآن المجيد الذي هو في أعلى درجات البيان كما لا يخفى، وتراكيبها تؤدي معنى الاستفهام والتعجب وكل ما يتخيله الفكر وينطق به اللسان، وأنكرت ذلك سيما وأنه لم يسبق له سابق بهذه المجلة البديعة، فما الباعث على ذلك؟ نرجو الإفادة، وإن كانت بالجواز واعتبار تلك العلامات مثل علامات الرفع والنصب والخفض والسكون المصطلح عليها عندنا، فليكن الجواب بالبسط حتى يزول ما وقع في النفس. وفي هذا المقام نقول: إني لم أفاتح أحدًا في شأن هذا التوقف الذي حصل والذي لا ينبغي أن يفهم منه الاعتراض بل مجرد الاسترشاد.
     

    قد عني المسلمون بكتابة القرآن عناية عظيمة، فلم يكتفوا بوضع النقط في منتهى آياته حتى زادوا على ذلك علامات الوقف والابتداء، وجعلوا ذلك على أقسام: الوقف التام والمطلق والجائز، والممنوع إلا لضرورة ضيق النفس. ووضع لهذه الأقسام حروفًا تدل عليها كالميم والطاء والجيم، و(لا) يكتبونها صغيرة في موضع الوقف، وكان لقائل أن يقول: إن الله جعل القران سورًا، وجعل السورة آيات، وجعل للآيات فواصل تعرف بها فهو غنيٌّ عن هذه المحسّنات، ولكنهم لم يقولوا ذلك، بل أجمعوا على استحسان هذا التحسين في الكتابة الذي ينبه إلى المعاني المفهومة بذاتها لأهل اللغة، لأنها في أعلى درج البيان.

    ولو وضعوا يومئذ علامات أخرى لمقول القول، يعرف بها متى يبتدئ وأين ينتهي، وللاستفهام والتعجب؛ لكانوا لها أشد استحسانًا فيما نظن، لأن إعانتها على الفَهْم ليست دون إعانة علامات الوقف. فكثيرًا ما يأتي القول المحكي في القرآن من غير أن يتقدمه قال وقالوا. وكثيرًا ما يشتبه على غير العالم النحرير انتهاء القول المحكي.

    كما ترى المفسرين يختلفون في بعض الآيات هل هي من القول المحكيّ أم ابتداء كلام جديد. وكذلك يجيء الاستفهام أحيانًا مع حذف أداته، وكذلك التعجب والاستفهام أنواع منه الحقيقي ومنه الإنكاري والتعجبي والتوبيخي، فلو وضع لكل نوع منها علامة لكان ذلك معينًا على الفهم بسهولة، ولتقبله علماء السلف بأحسن قبول.

    ولكن علماءنا لم يخطر ببالهم هذا أيامهم، بل يُقَدَّر كل تحسين وكل إصلاح قدره لعدم الحاجة إليه كهذا الزمان. ثم إنهم لم يستعملوا المحسنات التي وضعوها لكتابة القرآن في غيره، مما لا يدانيه في بيانه وسهولته، وكان ينبغي تعميم هذا الإصلاح بأن توضع نقط في أواخر الجمل التامة، وعلامات وقف حيث يحسن الوقف في أثناء الكلام، ولو فعلوا ذلك لكان فيه ترغيب في قراءة الكتب وإعانة على الفهم، بل أفسد المتأخرون ما وضعه المتقدمون من الفصول في الكلام اقتداء بسور القرآن.

    ومعنى هذا الفصل أن يكون فارقًا يبن الكلامين ببياض في السطر يبدأ بعده بالكلام الجديد، ولعلهم ظنوا أن لفظ الفصل هو المقصود، فصاروا يكتبونه في وسط السطر ويبقى الكلام به متصلًا في الكتابة بحيث لا يرى الناظر في الصحف إلا سوادًا في سواد، وذلك مما ينفِّر عن القراءة، أو يقلل من النشاط فيها، ولذلك لم يكتف علماؤنا بكون القرآن مقسمًا إلى سور حتى قسّموه إلى أجزاء، وقسموا كل جزء إلى أحزاب وأرباع، وجعل بعضهم لكل عشر آيات علامة، والغرض من هذا كله التنشيط على القراءة.

    فعلمنا من هذا أن كل ما يعين في الكتابة على فَهْم المعنى فهو حسن، ومنها علامات الاستفهام والتعجب التي سَبَقنا إليها الإفرنج فهم يضعونها وإن كان في الكلام ما يدل على المقصود بدونها كما ترى في الإنكليزية، فإن صيغة الخبر عندهم مخالفة لصيغة الاستفهام، وهم يضعون للاستفهام علامة مع هذا. وما في المنار من هذه العلامات هو من وضع منشئه، فهو المحرر والمصحح، وليس لغيره في المنار عمل إلا ما كان من قول نسب إلى قائله بالتصريح أو الإشارة.

    وليس هذا جديدًا فيه، وإنما تنبه إليه السائل في الجزء الذي ذكره، ولو راجع المجلدات الماضية؛ لوجد هذه العلامات وعلامات القول والحكاية (: «») وغير ذلك فيها، ولكنها لم تُلتزم التزامًا في كل جملة. وهو يراها من المحسّنات، لا سيما حيث يكون في الكلام ما يقتضي التعجب من جهة المعنى، وليس فيه صيغة التعجب، وحيث تكون الجملة أو الجمل المبدوءة بأداة الاستفهام طويلة يتوقع أن ينسى بعض القراء في نهايتها أن القول كله موضع للاستفهام، وهو لم يرَ مانعًا من استعمال هذا التحسين، لا دينيًّا ولا غير ديني.

    وأما هذه العلامة (،) فنستعملها للسجع وما يشبهه من الفصل يبن الجمل قبل تمام المعنى[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص264.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 59 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة