• إثبات هلال رمضان والعيدين

    يقع اختلاف وشقاق في كل عام بين أئمة المساجد في إثبات هلال رمضان، فمنهم مَن يعتمد ويعمل بمثل جدول الشهور والأيام للشيخ القزويني، ومنهم مَن يعمل بما قال في عجائب المخلوقات بعد ذكر الجدول، وهو ما نصه: قال جعفر الصادق رضي الله عنه: إذا أشكل عليك أول شهر رمضان فعد الخامس من الشهر الذي صمته في العام الماضي؛ فإنه أول يوم شهر رمضان الذي في العام المقبل، وقد امتحنوا ذلك 50 سنة فوجدوه صحيحًا. اهـ.

    ومنهم مَن لا يعمل إلا بما قال الشيخ البجيرمي في حاشيته على شرح فتح الوَهَّاب: قال سيدي علي وفا المصري في فتاويه لا يستتر القمر أكثر من ليلتين آخر الشهر أبدًا، ويستتر ليلتين إن كان كاملًا وليلة إن كان ناقصًا، والمراد بالاستتار في الليلتين أن لا يظهر القمر فيهما، ويظهر بعد طلوع الفجر، وفي عبارة بعضهم: وإذا استتر ليلتين، والسماء مصحية فيهما فالليلة الثالثة أول الشهر بلا ريب، والتفطُّن لذلك ينبغي لكل مسلم، فإن مَن تفطن له يغنيه عن التطلع من (؟) رؤية هلال رمضان، ولم يفُته يوم أن كان كاملًا، وحديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» إلخ.

    في حق مَن لم يتفطن لذلك، ولو علم الناس عظم منزلة رمضان عند الله وعند الملائكة وعند الأنبياء لاحتاطوا له بصوم أيام قبله، حتى لا يفوته صوم يوم منه، اهـ. (قال) وهو كلام نفيس فاحفظْه، والبقية يصومون بالرؤية، ويفطرون بالرؤية عملًا بالحديث الشريف؛ فصار كل مسجد يصوم بما رأى إمامه.

    وكذلك يختلفون في إثبات هلالَي شوال والأضحى كاختلافهم في إثبات هلال رمضان، بل العاملون بالرؤية يختلفون في قبول شهادة عدل واحد في هلالي شوال والأضحى، (ولم تتوفر لأحد في سيام شروط العدالة المشروحة في كتب الإمام الشافعي)، فمنهم مَن يقبل، ومنهم مَن يرفض، فاعتماد الأول على ما ذكر البجيرمي في حاشيته على الإقناع في كتاب الصيام أنه هو المعتمد، والثاني على ما قال الشافعي في الأم، والنووي في شرح مسلم.

    فالرجاء ملء صدورنا أن تبينوا لنا الحق في هذه مع الرد الصريح على مَن اهتدى بغير السنة النبوية.
     

    قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]، وقد أجمع العلماء على أن الرد إلى الله تحكيم كتابه، والعمل به، والرد إلى الرسول بعد وفاته تحكيم سُنَّته، والعمل بها، وقد قال تعالى في كتابه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وناط رسوله صلى الله عليه وسلم إثبات الشهر برؤية الهلال، وإلا أكملت عدة الشهر ثلاثين يومًا، ولا حاجة إلى سرد شيءٍ في تفسير الآية، ولا نصوص الأحاديث في ذلك، فهي معلومة لديكم، ومن عجائب ضلالات التقليد أن يترك السنة الصحيحة الصريحة عارفها، ويأخذ بقول زيد وعمرو من الناس الذين ليست أقوالهم دينًا ولا حجة في الدين، ولو لم تكن مخالفة للكتاب والسنة فكيف إذا خالفتها، ولا هم من العلماء المجتهدين، على أن المسألة ليست اجتهادية لوجود النص الصريح فيها، وقد قال الإمام الشافعي في أول باب الإجماع من رسالته الشهيرة في أصول الفقه: (وقامت الحجة بما قلت بأن لا يحل لمسلم علم كتابًا ولا سنة أن يقول بخلافِ واحدٍ منهما)، فما دامت رؤية الهلال ممكنة فلا يجوز العمل بالحساب، ولا بمثل ما ذُكر من الضوابط المبنية عليه، ولكن قد يحتاج إلى الضوابط إذا تعذَّر العمل بالسنة كأن تطبق الغيوم في قطر كبير عدة أشهر، ويتعذر عليهم الوقوف على إثبات صحيح للشهر برؤية الهلال في مكان قريب منهم مثلًا، أو إذا كان الصيام في المنطقة القطبية، وما يقرب منها حيث لا شهور، فههنا يجتهد في تقدير الأوقات للصلاة والصيام.

    وقد بيَّنا هذه المسائل من قبل، والغرض هنا بيان أن المصيب من المختلفين في المسألة في بلاد السائل هو الفريق الذي يثبت الشهر برؤية الهلال، وإلا فبإكمال عدة شعبان 30 يومًا إذا غم الهلال على الناس، وينبغي أن يكثر المستهلون لتثبت الرؤية بالتواتر، فإن لم يتفق ذلك، وشهد برؤيته مَن لا يعد عدلًا في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، فلا بأس بأن يعد عدلًا في مذهب غيره، والعبرة بتصديق الناس له، فإذا كنا نعلم أن زيدًا يتحرى الصدق، ويتنزه عن الكذب، ولكنه لا يرى بأسًا ببعض ما يعد في المذهب مسقطًا للمروءة، ولا سيما إذا كان لا يعد مسقطًا لها في هذا العصر، أو لا يسقط مروءة مثله لمجموع مزاياه الأخرى، فلا مانع من قبول شهادته، والعمدة في ذلك أن يُعتقد صدقه، فإن بعض ما اشترطوه في العدالة مبني على العرف لا النص: كخرم المروءة، والعرف يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويكفي في إثبات رمضان شهادة واحد، ثبت ذلك في السنة، وجرى عليه الجمهور.

    وأما العيدان فالأدلة في إثباتهما بشهادة عدل أو عدلين متعارضة، والمهم أن يتفقوا على أحد القولين تفاديًا من الاختلاف الذي يبغضه الله، ويبغض أهله.

    بعد هذا نقول كلمة في تلك الأقوال التي نقلها السائل عن بعض المصنفين: فأما ما نقلوه عن جدنا جعفر الصادق رضي الله عنه فهو صحيح في نفسه، وإنما يطَّرد بموافقة إثبات الشهر بالحساب الذي تقتضيه قواعد الفلك، ولكنه قد يخطئ إذا جرى الإثبات على قاعدة الشرع بالرؤية، وما يظن أن الإمام قال بترك الإثبات بما أمر به جده عليه الصلاة والسلام والعمل بالحساب، وإلا فإن العارف بالحساب لا يحتاج إلى ذلك الضابط، بل يعرف أول كل شهر معرفة قطعية لا شك فيها، وإنما تختلف أقوال مؤلفي التقاويم أحيانًا؛ لأن بعضهم يجري في ذلك على قاعدة تولد القمر، وبعضهم يجري على قاعدة توافق الشرع، من حيث يجعل أول الشهر الليلة التي يمكن أن يرى فيها الهلال إذا انتفت الموانع كالغيوم وما في معناها، لا وقد بيَّنَّا غير مرة أن الحكمة في جعْل مواقيت الصلاة والصيام منوطة بما تسهل معرفته على جميع المسلمين من بدو وحضر، أميين ومتعلمين، هي أن لا تكون أمورهم الدينية بأيدي أفراد من علماء فن مخصوص كالفلك، لا يوجدون في كلى مكان، وقد يعبثون بأمور الأمة في دينها، كما فعل رؤساء الأديان الأخرى، ونجد أهل الأمصار الإسلامية الآهِلة بالعلماء من جميع المذاهب، لا يعملون في إثبات هلال رمضان والأعياد وغيرها إلا بالرؤية، أو إكمال العدة على كثرة الحاسبين المدققين فيها، ثم إنهم يُثْبتون الرؤية إثباتًا شرعيًّا بحكم في دعوى صورية؛ لأجل إعلام الناس كافة به بصفة يرتفع فيها الخلاف ليسلم المسلمون من الفوضى، والخلاف في عبادتهم في كل قطر، فما يفعله أهل (سيام) عندكم مخالف لهدي الشارع ولحكمة الشرع ولعمل المسلمين سلفًا وخلفًا في جميع الأقطار الإسلامية.

    وأما ما نقله البجيرمي من أن حديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» خاص بمَن لم يتفطن لتلك القاعدة الحسابية، ومن أنه ينبغي الاحتياط لرمضان بصوم قبله حتى لا يفوته صوم يوم منه! فهو باطل بشقِّيه، ويستغرب قوله فيه: إنه نفيس، ويترتَّب على قوله الأول أن نقبل قول كل مَن جاءنا بقاعدة أو طريقة يمكن أن يحصل بها مقصد الشرع في عمل من الأعمال من غير الطريقة أو القاعدة الثابتة بنص الكتاب والسنة؛ وحينئذٍ يكون كل واحد من هؤلاء شارعًا لغير ما شرعه الله تعالى، وناسخًا لما شرعه، ولو في الوسائل، وهو شرك بالله تعالى كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، وقد بينا هذا المعنى في مواضع من التفسير والفتاوى القريبة العهد، وسيرى القراء شيئًا منه في الجزء الآتي من المنار في باب الفتوى إن شاء الله تعالى.

    وبمثل هذه الآراء أضاع مَن قبلنا أصول دينهم وفروعه.

    وأما الرأي الثاني فيقال فيه: إن الصيام لا يعد من رمضان إلا إذا ثبت الشهر، وكان الصيام بنية رمضان، وإلا فقد ورد في السنة النهي عن صوم يوم الشك، وعن استقبال رمضان بيوم أو يومين... وجملة القول أن الواجب على أهل بلدكم أن يعملوا في إثبات رمضانٍ والعيدين بما يعمل به سائر المسلمين من الاستهلال، فإن رُؤيَ الهلال فذاك، وإلا أكملوا عدة شعبان، وأن يجتمع أئمة المساجد والعلماء ليلة الثلاثين من رمضان، فإن ثبت الشهر أعلموا به الناس، وصاموا جميعًا، وإلا أفطروا جميعًا، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105][1].

    [1] المنار ج23 (1922) ص585-588.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 600 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة