• العمر الطبيعي

    أرجو الإفادة على صفحات المنار عن عمر الإنسان الطبيعي، وهل يصح أن نعتقد مثلًا أن سلمان الفارسي عاش 350 سنة، فضلًا عن كون بعض أصحاب الطبقات يزعم أنه عاش أكثر من ذلك، وبعضهم نقل أنه أدرك المسيح فإن هذه المسألة هي مدار كلام أهل الأدب عندنا اليوم[1].

    إن ما ذكرتموه عن عمر سلمان رضي الله عنه لم ينقل بسند صحيح على سبيل الجزم، وإنما قالوا: إنه «توفي سنة خمس وثلاثين في آخر خلافة عثمان، وقيل أول سنة ست وثلاثين، وقيل توفي في خلافة عمر والأول أكثر. قال العباس بن يزيد: قال أهل العلم: عاش سلمان 350 سنة فأما 250 فلا يشكون فيه. قال أبو نعيم: كان سلمان من المعمرين يقال: إنه أدرك عيسى ابن مريم وقرأ الكتابين» اهـ من (أسد الغابة) فأنت ترى أن الرواية الأولى مشكوك فيها، فما بالك بالأخيرة المحكية بـ (يُقال) وهي: أنه أدرك المسيح. وعباس بن يزيد قال الدارقطني: تكملوا فيه. فقوله لا يؤخذ على غرة، على أنه يجوز أن يعيش الإنسان 250 سنة، ولا يوجد دليل علمي يحدد العمر الذي يمكن أن يعيشه الإنسان بحيث نقطع أنه يستحيل أكثر من ذلك وقد نشر في المقتطف الذي صدر في صفر سنة 1311ما نصه: إطالة العمر: «بحث أحد العلماء في سبب الشيخوخة، فاستنج أنه إذا امتنع الإنسان عن الأطعمة التي تكثر فيها المواد الترابية، وأكثر من أكل الفاكهة ذات العصار الكثير، وشرب كل يوم ثلاثة أكواب من الماء القراح، في كل منها عشر نقط من الحامض الفسفوريك المخفف، لتذيب ما يرسب في عضلاته من أملاح الكلس (الجير)؛ طال عمره كثيرًا، وقد يعمر حينئذ مائتي عام» اهـ. فأنت ترى أن علماء العصر يجوزون أن يعيش الإنسان مائتي سنة بالتدبير الصحي وحسن المعيشة، من غير أن تكون بِنْيَته قد امتازت بقوة زائدة على المعتاد، وهم لا ينكرون أن بعض الناس يخلقون أحيانًا ممتعين بقوى خارقة للعادة، وهؤلاء يكونون مستعدين لعمر أطول إذا لم يفاجئهم القدر بما يقطع مدد الاستعداد.

    أما العمر الطبيعي للإنسان الذي يرى الأطباء أنه خلق ليعيشه لولا ما يجنيه على نفسه بالإفراط والتفريط فهو مائة سنة، وذلك بالقياس على سائر الحيوانات؛ إذ ثبت لهم بالاستقراء أن الحيوان يعيش ثلاثة أمثال الزمن الذي يتم نموه فيه. ولكن لا يكاد يخلو قطر من الأقطار في عصر من الأعصار عن بعض الناس الذين يتجاوزون المائة، وقد ذكر بعض علماء أوربا في كتاب له أشخاصًا بلغوا نحو 170 سنة. أما نوح عليه السلام؛ فالراجح أنه كان في عصر كانت فيه طبيعة الأرض وبنية الإنسان، على غير ما هي عليه الآن، ثم تغيرت بالطوفان، وذهب بعض أهل الكتاب إلى أن سنيهم لم تكن كسنّينا، بل كانوا يسمون الفصل سنة، وحكت الكتب السماوية خبرهم على اصطلاحهم، وهو يحتاج إلى نقل.

    وتاريخ ذلك العصر مجهول بالمرة، فلا يعرف عنه شيء إلا بالوحي، وما يفيده العلم الحديث من اختلاف أطوار الأرض، واختلاف حال الأحياء بحسب ذلك، فلا نقيس طبيعتها الحديثة، وهي ما بعد الطوفان على طبيعتها قبل ذلك.

    وجملة القول: أن الذي قالوه عن اعتقاد في عمر سلمان رضي الله عنه هو أنه 250 سنة، ولكن الرواية فيه ليست بحيث يجزم بها، ولا يوجد دليل علمي يحمل على الجزم بكذبها فهي محتملة الصدق، وغيرها ظاهر الكذب، لا سيما القول بكونه أدرك المسيح إذ لو كان كذلك لحدّث عنه، وتوفرت الدواعي على نقله عنه ولم ينقل إلا ما ينافيه، وهو أنه أخذ النصرانية قبيل الإسلام عن بعض القسوس (راجع قصته في آخر المجلد الرابع من المنار) [2].


    [1] المنار ج7 (1904) ص266.

    [2] المنار ج4 (1901) ص940-946.
     

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 60 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة