• الانتساب إلى الأديان

    من هو أحسن: الذي يتمسك بدين من الأديان بعد الاقتناع ويطبق حياته عليه، أم الذي يبقى في دين آبائه بدون اعتقاد داخلي، وبدون أن يطبق حياته على أعلى مبادئ الدين وأشرفها؟

    إن المنتحل للدين لا يكون صادقا في انتسابه إليه إلا إذا كان موقنًا بصحته مذعنًا لأحاكمه إذعانًا نفسيًا عمليًا بأداء عباداته وترك محارمه والتزام سائر أحكامه وآدابه إلا ما يعرض للبشر عادةً من بعض المخالفات التي يستغفرون الله منها ويتوبون إليه.

    وأما مجرد اللقب الموروث فلا قيمة له، والاعتقاد اليقيني هو المعبَّر عنه بالإيمان، والإذعان النفسي العملي هو المعبر عنه بالإسلام، هذا إذا قوبل أحدهما بالآخر، وإلا فالمؤمن والمسلم يصدقان على شيء واحد. وقد بيّنا هذه المسائل في مواضع كثيرة من المنار بالتفصيل والدلائل.

    ومن القواعد المقررة عند علماء العقائد الإسلامية أن دين الإسلام ليس فيه شيء يحكم العقل باستحالته، وأن المسلم لا يكلف أن يعتقد ما هو محال عقلًا، وأنه إن وجد في الشريعة ما يعارض القطعي حسًّا أو عقلًا وجب تأويله بما يجمع بين العقل والنقل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

    والقاعدة عند غيرنا بخلاف ذلك وهي أنه يجب الإيمان ولو بالمحال وإن كان بديهيًا كالجمع بين النقيضين، أو الضدين المساويين للنقضين كالتوحيد الحقيقي والتثليث الحقيقي؛ أي: كون الإله واحدا حقيقة وغير واحد حقيقة -فالمسلم الذي يتبع ما يوجبه عليه دينه من العلم الصحيح به والأخذ باليقين في عقائده لا يخشى أن تؤثر في نفسه دعوة دين آخر، وقد بيَّنا في الردِّ على دعاة النصرانية بمصر منذ بضع سنين أن المسلم لا يمكن أن يصير نصرانيًّا؛ لأن الإسلام نصرانية وزيادة كما قال السيد جمال الدين الأفغاني، أو لأن من وصل إلى الكمال في أمر لا يختار أن يستبدل به ما دونه -كما نقول نحن.

    وقد بيَّنَ الله تعالى في كتابه المعجز للبشر من وجوه كثيرة أنه قد أكمل دينه الذي بعث به رسله وعلى لسان خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وهذا يوافق سنته تعالى في النشوء والارتقاء.

    على أن كتب من قبله من الرسل لم تحفظ كلها كما حفظ كتابه، وسننهم وتواريخهم لم تحفظ كما حفظت سنته وتاريخه، فهذا المسيح عليه السلام ليس في الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها الكنيسة من الأناجيل الكثيرة إلا الشيء القليل من تاريخه، وهي غير منقولة بالأسانيد المتصلة، وقد وقع الخلاف في تواريخ كتابتها وفي اللغة التي كتبت بها، وفي بعض أشخاص كاتبيها، كما صرَّحُوا به في تواريخ الكنيسة وفي معاجمهم العلمية الكبرى -دوائر المعارف.

    ونحن إنما نذكر هذه المسألة هنا على سبيل الاستطراد، وغرضنا منه أن المسلم العارف بدينه المتلقِّي له بالدلائل كما أمر لا يخاف أن يزداد بتبشير المبشرين إلا ثباتًا ويقينًا فيه، ولكن هؤلاء المبشرين يبثون دعوتهم في العوام الذين لا يعرفون من الإسلام إلا بعض الأحكام التقليدية، وفي التلاميذ المبتدئين في طلب العلوم والفنون، وقد تمر السنين على هذا ولا يوجد واحد في الألف من هؤلاء الجاهلين بأكثر حقائق الإسلام من عوام وتلاميذ يتنصر، ولكن يكون كثيرون منهم ملاحدة معطلة أو مشككة «لا أدريين». والسائل المحترم يرى أن هؤلاء شر من المتدين بأي دين من الأديان التي تنهى عن الشر وتأمر بالخير وهو مصيب في ذلك.

    وليعلم القس المحترم أن من أصول ديننا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] وأنه تعالى بعث في جميع الأمم القديمة رسلًا هادين مرشدين إلى توحيده وعبادته، وفعل الخير وترك الشر، وأن أمر هدايتهم جرى على سنة الارتقاء بالتدرج؛ لاختلاف استعداد البشر كما قلنا آنفًا، حتى كمل ذلك الاستعداد ختم الله النبوة بمحمد عليه وعلى سائر إخوانه النبيين صلوات الله وسلامه.

    وأن ما جاء به مكمِّل لما سبقوه به، وأن من معجزاته أنه جاء بالخلاصة الصحيحة الفضلى لما كان عليه أشهر الرسل القريبي العهد به، الذين حفظ من دينهم ما لم يحفظ من تعاليم من قبلهم ولا سيما موسى وعيسى عليهما السلام، على كونه أميًّا لم يطَّلع على شيء من الكتب مطلقًا. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ[٤٨]﴾ [العنكبوت: 48]. فلا يسع عاقلًا منصفًا عرف دينه أن يؤمن بغيره ولا يؤمن به.

    والذي نعهده من هؤلاء المبشرين أنهم ينظرون في الإسلام بقصد العثور على شيء فيه قابل للطعن فيه ولو بالتمحل، لا بقصد معرفة حقيقته، ولا المقايسة بينه وبين غيره بالإنصاف.

    ولقد كان من العجب عندي أن أرى هذا المبشِّر-السائل المحترم- يكتب بأسلوب واثق بما يرمي إليه كلامه، وقلَّما عرفنا منهم من هو كذلك، وإنما تدل كتابة أشدّهم مبالغة في التبشير وتفضيلًا لما عندهم على ما عند غيرهم على أنهم يكتبون ما لا يعتقدون، ويقولون الكذب وهم يعلمون، ويحرّفون الكلم عن مواضعه كما فعل سلفهم الأولون، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون.

    فهؤلاء لا يُحترَمون عندنا، وأمّا مَن دَعَا إلى دينه عن عقيدة هو مذعِن لها ومخلص فيها، فكل عاقل يحترمه، وقليل ما هم[1].

    [1] المنار ج25 (1924) ص192-194.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 644 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة