• احترام حروف الكتابة

    هل كل مكتوب محترم لا يجوز إلقاؤه أم ذلك خاص بما احتوى على لفظ شريف؟ وهل غير العربي مثله في ذلك؟

    ذهب الشافعية إلى أنه يجب احترام الأسماء المعظمة المكتوبة كأسماء الله وأنبيائه كاحترام كلام الله تعالى. فلا يجوز أن تُلقى حيث تداس مثلًا أو أن يتعمد عدم الاكتراث بها، أو الإهانة لها كما يقال. وبالغ الحنفية فقالوا: إن كل الحروف والكتابة محترمة بهذا المعنى. فأما كتابة نحو القرآن والأسماء المعظمة فإن تعمُّد إهانتها يدل على عدم الإيمان، كما يُنقل عن بعض الملحدين المشهورين في مسلمي مصر من أنه أخذ ورقة من المصحف ولفها ووضعها في أذنه يخرج بها الوسخ منها فهذا لا شك في إلحاده وكفره.

    وأما إهانة كلام الناس المكتوب فلا يتصور حدوثه من عاقل إلا لسبب، كاعتقاد أن الكلام ضار، أو كتب بسوء النية وقصد الإيذاء والدهان، مثلًا فمن قرأ جريدة ورأى فيها شيئًا من مثل هذا فألقاها أو مزقها ورماها؛ هل يقال: إنه عاص لله تعالى مرتكب لما حرمه؟ كلا، إن التحليل والتحريم بغير نقل صحيح أو دليل رجيح هو المحرم. ولم نعرف دليلًا في الكتاب ولا في السنة على أن إلقاء ورقة مكتوبة على الأرض بقصد احتقار مبني على اعتقاد ضررها مثلًا، أو بغير قصد ذلك كالاستغناء عنها، وعدم الحاجة إليها من المحرمات التي يعذب الله فاعلها. وما عساه يقال في استنباط اللوازم البعيدة من: أن ذلك يستلزم احتقار الحروف، واحتقار الحروف يستلزم احتقار ما يكتب بها، وما يكتب بها عام يشمل كتاب الله وأسماءه؛ فغير مُسلَّم، ويمكن أن يستنبط مثله فيمن يلقي قشور البطيخ والباذنجان ونحوها، بأن يقال: إن هذه نعمة يمكن أن ينتفع بها الناس أو الدواب فيجب تعظيمها واحترامها، وعدم احترامها يستلزم الكفر بالمنعم بها، وما أشبه ذلك.

    وجملة القول في المسألة أن العاقل المكلف لا يقصد بإلقاء الورق المكتوب إهانته إلا لنحو السبب الذي ذكرناه، وهو لا شيء فيه، بل العاقل لا يحتقر شيئًا في الوجود لذاته، أو لأنه وسيلة لشيء نافع أو شريف، فما قاله الشافعية هو الظاهر، ولا ينبغي الغلو والتنطع فيه والله أعلم [1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص297.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 64 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة