• كشف وجه الحرة وكفيها

    هل رفع الحجاب عن وجوه المسلمات الحرائر، وإظهار أكفهن ظهرًا وبطنًا إلى الكوعين[1] خارج الصلاة في الطرقات والأسواق والمجتمعات العامة، جائز في الشريعة الإسلامية أم لا؟

    - وهل صوت المرأة الأجنبية المسلمة الحرة عورة، يحرم على الرجال سماعه أم لا؟

    نقل الحافظ ابن عبد البر وغيره أن المسلمين قد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام.

    ومن المعلوم أن مدة الإحرام طويلة تبتدئ من الميقات المعين، وتنتهي بأداء النسك من حج أو عمرة، وأن النساء كن ولا يزلن يشاركن الرجال في أعمال فرائض النسك وواجباته، وأنهن كن يصلين مع الرجال، ويتوضأن حيث يتوضؤون في باقي الأوقات والأحوال، فالستر الذي فرض عليهن في أثناء الصلاة والنسك هو أكمل الستر وأتمه؛ لأنه يكون في أفضل المجامع الدينية المشتركة بينهن وبين الرجال، ولا ينافي ذلك كونهن يصلين صلاة الجماعة خلف الرجال، وأنهن قد يفرد لهن المطاف فيطفن وحدهن؛ إذ من المعلوم بالضرورة أنهن يقبلن على المساجد في الحالة التي يصلين فيها أو يطفن، فيراهن الرجال، وأنهن يتنقلن مع الرجال من مواقيت الإحرام إلى مكة، ومنها إلى عرفات والمزدلفة ومنى.

    ولا بأس بأن ننقل هنا ملخص مذاهب علماء الأمصار في المسألة في الصلاة وخارجها عن كتاب المغني للشيخ الموفق الحنبلي، فإنه كتاب في فقه الإسلام لا في فقه الحنابلة وحدهم، قال (ص641ج1).

    «لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في الصلاة، وأنه ليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها.

    وفي الكفين روايتان، واختلف أهل العلم، فأجمع أكثرهم على أن لها أن تصلي مكشوفة الوجه، وأجمع أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تخمر رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها الإعادة.

    وقال أبو حنيفة: القدمان ليسا من العورة؛ لأنهما يظهران غالبًا فهما كالوجه، وإن انكشف من المرأة أقل من ربع شعرها أو ربع فخذها أو ربع بطنها لم تبطل صلاتها.

    وقال مالك والأوزاعي والشافعي: جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة؛ لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]: الوجه والكفين.

    ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرمة (أي بالحج أو العمرة) عن لبس القفازين والنقاب.

    ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء، وقال بعض أصحابنا: المرأة كلها عورة؛ لأنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ»، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

    لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة؛ لأنه مجمع المحاسن اهـ، ومثله في الشرح الكبير (ص[462] ج[1]).

    وذكر الإمام الشوكاني في نيل الأوطار خلاف هذه المذاهب وغيرها، فقال: «وقد اختلف في مقدار عورة الحرة، فقيل: جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين، وإلى ذلك ذهب الهادي والقاسم في أحد قوليه، والشافعي في أحد أقواله، وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه، ومالك.

    وقيل: والقدمين وموضع الخلخال: أي: (كالوجه والكفين)، وإلى ذلك ذهب القاسم في قول، وأبو حنيفة في رواية عنه، والثوري وأبو العباس.

    وقيل: بل جميعها إلا الوجه، وإليه ذهب أحمد بن حنبل وداود.

    وقيل: جميعها بدون استثناء، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي.

    وروى عن أحمد.

    وسبب اختلاف هذه الأقوال ما وقع من المفسرين من اختلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ اهـ.

    أقول: بل هنالك أسباب أخرى، كما تقدم عن المغني، وأقواها ما كان معروفًا في الصدر الأول من معاملة النساء للرجال في البيع والشراء والشهادة، وخدمتهن لجرحى الحرب، وإنما ورد النهي عن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وعن متابعة نظر الشهوة.

    وفي حديث ابن عباس من صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن العباس خلفه في سفر حجة الوداع، فعرضت له صلى الله عليه وسلم امرأة خثعمية جميلة تسأله، فطفق الفضل ينظر إليها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بذقن الفضل يحول وجهه عن النظر إليها.

    وفي رواية الترمذي للقصة أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لويت عنق ابن عمك؟ فقال: «رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ عَلَيْهِمَا الفِتْنَةُ»، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المرأة بستر وجهها، ولم يأمرها، ولا أمر الفضل بعدم نظر كل منهما إلى الآخر، إلا أنه حول وجه الفضل عنها؛ لما رآه يتعمد إطالة النظر إليها فعلم أنه عن شهوة.

    ولذلك ورد أن النظرة الأولى للمرء والثانية عليه، وهذا بعد نزول آية الحجاب بخمس سنين، وقد استدل به من السنة العملية، على أن الحجاب المنصوص في سورة الأحزاب خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم كما هو صريح الآيات، ولا سيما قوله تعالى في أولها: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلخ.

    وتعليلهم المتقدم لكون الوجه والكفين لا يجب سترهما بالحاجة إلى كشفهما للبيع والشراء، والأخذ والإعطاء، وبما في التغطية من المشقة؛ صريح في عدم قصر كشفهما على حال الصلاة.

    ومن حرم كشف الوجه والكفين من الفقهاء -كالنووي من الشافعية- عللوه بخوف الفتنة، وهو أمر عارض لا أصل، ولا غالب في النظر، فهو يراعى في الأحوال التي هي مظنة الفتنة، وليست دائمة ولا غالبة، فإن البر والفاجر من جماهير الناس يرون أبرع النساء جمالًا في شوارع الأمصار العامة، ولا يكاد يفتتن أحد منهم برؤيتهن، على أن الكثيرات منهن يخرجن متبرجات بكل ما أباحته حرية الفسق من زينة وتهتك وإغراء، وإنما يفتتن بعض الفجار الذين يبحثون عن الفواجر، فمن يريد التحري لدينه من رجل وامرأة فلا يخفى عليه، ما كان مظنة الفتنة الواجب عليه اجتنابها والبعد عن مواقف الشبهة ومواضع الريبة.

    ولم يكن الأمر بالستر في عصر التشريع إلا لأجل هذا، وقد أبيح للإماء كشف رؤوسهن مع وجوههن، ومن العلماء من قال: إن عورة الأمة كعورة الرجل، ما بين السرة والركبة، وربما كانت الفتنة فيهن أشد؛ لأن الوصول إليهن أيسر، والعفة فيهن أقل وأضعف، ويجب عليهن ما يجب على الحرائر من صيانة أعراضهن، ويحرم عليهن من الفجور ووسائله ما يحرم عليهن، ولا يقول فقيه بإباحة تعرضهن للفتنة، فإذا وجدن في مكان يتعرض فيه الفجار لهن فعليهن أن يسترن رؤوسهن ووجوههن أيضًا وإلا فلا.

    وإنا لنعلم أن المتفرنجين من المسلمين يبغون برفع أدب الحجاب عن المسلمات التوسل إلى مثل إباحة نساء الإفرنج، كما فعل الترك، فليحذر المسلمون الحريصون على دينهم وأعراضهم وأنسابهم ذلك، فإن الخوف من هذه العاقبة هو الذي يحمل أهل الدين -من صنف العلماء وغيرهم- على إطلاق القول: بوجوب كذا من الحجاب، وتحريم كذا من السفور مثلًا.

    والتحريم والتحليل الدينيان حق الرب وحده على عباده، فهو يتوقف على النص، والنص عام وخاص، ومطلق ومقيد، وتطبيق النصوص على الوقائع والنوازل أعسر مسلكًا من معرفة النصوص وفهم معانيها، ولذلك ورد في الحديث «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» رواه أحمد والدارمي وأبو يعلى من حديث وابصة مرفوعًا.

    وأما صوت المرأة فليس بعورة، فما زال النساء يكالمن الرجل في إفادة العلم واستفادته، حتى نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المحاكمات والشهادات والمبايعات، وغير ذلك من المعاملات: كخطبة النكاح، وكذا الخطب السياسية بغير نكير.

    وقال الله لنساء نبيه في آيات الحجاب: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32][2].


    [1] المنار: المراد بالكوعين الكوع والكرسوع على التغليب، فالكوع طرف عظم الساعد أو الزند من جهة إبهام اليد، والكرسوع ‏الطرف الآخر الذي يلي الخنصر، وما بينهما يسمى الرسغ بالضم. المنار ج26 (1925) ص416. الحاشية. ‏

    [2] المنار ج26 (1925) ص417-421.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 664 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة