• حكم بناء فنادق المسافرين، وإجارتها لغير المسلمين

    جاءنا كتابًا يتضمن الاستفتاء في بناء فندق للجمعية كفنادق مصر الكبرى وتأجيره.

    فإذا راعينا مع هذا قاعدة إمام دار الهجرة مالك بن أنس-رحمه الله تعالى- في كون العبادات يؤخذ فيها بظواهر النصوص من الكتاب والسنة، وكون مدار أحكام المعاملات على المصلحة، وأن النصوص ترد إليها، وتذكرنا مع هذا أنه ليس لدينا نص من الكتاب ولا من السنة في تحريم بناء الفنادق، ولا تحريم إجارتها يعارض أصل الإباحة أو يعارض المصلحة المعلومة بالقطع، لم يبق لديك احتياج إلى دليل آخر على الحل الذي لا تشوبه شبهة.

    وفوق هذا كله خطر تحريم ما لم يحرمه الله تعالى في كتابه، ولا على لسان رسوله بنص قطعي لا شبهة فيه.

    هذا الخطر أكبر وأشد وأعظم من خطر اتقاء شبهة في عمل حلال في الأصل كالشبهة التي فرضناها في نازلتنا.

    يقول علماء الأصول إن التحريم هو حكم الله المقتضي للترك اقتضاءً جازمًا، فأين هذا الخطاب في مسألتنا؟ قد أنزل الله تعالى في أم الخبائث وأضر الرذائل قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] وما كان ضرره أكبر من نفعه والمفسدة فيه أكبر من المصلحة بتجارب الناس، فهو محرم عند جميع فقهائنا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرم الخمر والقمار على جميع المسلمين بهذه الآية التي أخبر فيها رب العالمين المحيط بكل شيء علمًا بأن إثمهما أكبر من نفعهما، فعلم منه أن هذا لا يقتضي ترك جميع الناس لهما اقتضاءً قطعيًّا جازمًا، إذ بقي فيه مجال لاجتهاد الأفراد في الموازنة بين النفع والضرر، ولذك ترك الخمر والميسر بعض الصحابة، لأنهم فهموا منها التحريم، وظل بعضهم يشرب الخمر ويأكل مال الميسر، وظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا. حتى إذا ما نزلت آيات سورة المائدة آمرة باجتنابها أمرًا صريحًا قطعيًا لا يحتمل التأويل مؤكدة له ببيان علته وبقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ قال جميع المسلمين: قد انتهينا يا ربنا. وصار كل من عنده خمر يهرقها حتى سالت بها شوارع المدينة كأودية السيل.

    إن التحريم الديني على العباد حق الله وحده، وقد قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116] الآية. وقال في بيان أصول الكفر والمعاصي الكلية: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ[٣٣]﴾ [الأعراف: 33] قال بعض المحققين: إن هذه المحرمات قد ذكرت على طريقة الترقي في الغلظة والشدة كل نوع أغلظ مما قبله، وذلك أن كلًا من المعاصي والشرك والكفر قسمان: قاصر على فاعله، ومتعد إلى غيره، فمعصية البغي على الناس أشد من الفاحشة والإثم القاصر على فاعله، والشرك بالقول على الله تعالى بغير علم أغلظ من الشرك القاصر على فاعله، وقد صرح الكتاب العزيز بأن القول في الشرع بغير وحي من الله تعالى شرك به في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31] وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في حديث عدي بن حاتم بأنهم كانوا يحلون لهم ويحرمون عليهم فيتبعونهم، فهذا معنى اتخاذهم أربابًا.

    ويراجع النص في التفسير المأثور من شاء.

    أكتفي بهذا في بيان دحض شبهة تحريم بناء الفندق وتحريم إجارته: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4].
     

    قد كتبت إليَّ بأن جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت قد طلب منها إنشاء فندق على الطراز الحديث كفنادق القطر المصري الكبرى لاستثماره بالإجارة، وصرف أجرته السنوية في تعليم أولاد فقراء المسلمين، وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة.

    وسألتني هل في تأجير الفندق محذور شرعي يحرمه؟ ولم تذكر لي ما عرض لك من الشبهة على تحريمه، فكانت سبب السؤال، وما تأجير الفندق إلا كتأجير دور السكنى للأفراد وأهل بيوتهم وحوانيت التجارة ومخازنها، وأنا أعلم أن للجمعية شيئًا من ذلك تؤجره، كما أن لبعض أعضائها مثل ذلك، فما بالكم تؤجرون هذه المباني ولا تستفتون في تأجيرها، لأن الإجارة من العقود المعلوم حلها من الدين بالضرورة، وخصصتم إجارة الفندق بالاستفتاء.

    والحال أن المراد صرف أجرته في أشرف الأعمال وأفضلها، ويتسامح في المصالح العامة ما لا يتسامح في المنافع الخاصة؟ فإذا كانت الشبهة على هذا أن بعض المسافرين الذين ينزلون في هذه الفنادق قد يشربون الخمر فيها، والمستأجر يعدّها لهم ويبيعهم إياها، فسكان البيوت والدور وغيرها وتجار الحوانيت، منهم من يشربون الخمر ويفعلون غير ذلك من المعاصي كالبيوع الباطلة أو الفاسدة والغش، ولا نعلم أن أحدًا من أئمة الفقه اشترط في صحة إجارة الدار أن يكون المستأجر مسلمًا من الصالحين المتقين، لئلا يرتكب فيها محرمًا. فالتأجير لغير المسلم وللمسلم الفاسق جائز بالإجماع.

    وإننا نرى وزارة الأوقاف بمصر، ونظار الأوقاف الخاصة في هذه البلاد وغيرها من بلاد الإسلام، يؤجرون الدور الموقوفة للمسلمين وغير المسلمين ولا يبحثون عن عقائدهم ولا عن أعمالهم. وأوقاف المساجد والأعمال الخيرية في ذلك سواء. والفنادق الكبرى في مصر يستأجرها ويدير نظامها أناس ليسوا من المسلمين ولا من دار الإسلام.

    وقد نص الفقهاء على أن غير المسلم لا يكلف مراعاة الشريعة الإسلامية في الحلال والحرام كالعبادات، كما أن المسلم نفسه لا يكلف مراعاة الأحكام الشرعية الإسلامية المدنية في غير دار الإسلام، كشروط البيع والإجارة والشركات، وكذلك يكون فندق جمعيتكم في بيروت غالبًا، وإن كان فيها فنادق أخرى صغيرة محلية يتولى إدارتها بعض المسلمين.

    وأنتم تعلمون أن بيروت وسائر سورية الآن ليست دار إسلام، أي أن الأحكام المدنية فيها ليست على الشرعية الإسلامية، والسلطة فيها ليست في أيدي المسلمين، هذا وإن أكثر أحكام المعاملات المدنية في الشريعة الإسلامية اجتهادية مبنية على ضبط المعاملات التي تدور على حفظ المصالح ودرء المفاسد، وقد أفتى الفقهاء بحل جميع أموال أهل الحرب فيما عدا السرقة والخيانة ونحوها، فما كان برضاهم أو عقودهم، فهو حلال لنا مهما يكن أصله حتى الربا الصريح، ويجري على هذا مسلمو بعض الأقطار كالصين، وكذا بعض بلاد الهند فيما بلغنا.

    ومن أفظع الجهل بأحكام شريعتنا وحكمها أن نجعلها -وهي الحنيفية السمحة التي غايتها سعادة الدارين- سببًا لشقاء المسلمين وفقرهم واستيلاء غيرهم على ثروتهم في دارهم وغير دارهم، وهم يعلمون أن جميع الأحكام المالية حتى الدينية منها كالزكاة، لم تشرع إلا بعد أن صار للمسلمين دار تنفذ فيها أحكامها بعد الهجرة النبوية.

    فإن قلت: هل يحل للمسلم أن يبني معبدًا، ليؤجره لأهل ملة يعبدون فيه غير الله تعالى، أو حانة للخمر، أو ماخورًا للفسق يؤجرهما لغير المسلمين، لينتفع بمالهم؟ قلت: لا يحل له ذلك، لأنه يبني لأجل الشرك بالله ونشر الفسق الذي حرمه الله ابتداءً وقصدًا لذلك.

    والفندق ليس كذلك، إذ لا يبنى لأجل الشرك ولا لأجل الفسق، ولا يؤجر لأجلهما مباشرة وقصدًا، بل القصد منه إيواء المسافرين فهو كالدور التي يسكنها الأفراد والأسر، والمستشفيات التي تعد لمداواة المرضى، وفي كل من الدور والمستشفيات قد يقع بعض المحرمات من شرب الخمر وغيره، من المكلفين بفروع الشريعة وغيرهم، ولكن الدار لم تبن، ولم تؤجر لأجل هذه المحرمات التي قلما يخلو منها مكان في هذا العصر، وكذلك المستشفى.

    وههنا مدرك آخر للنازلة المسؤول عنها وهي مراعاة حال العصر التي يعبر عنها الفقهاء بعموم البلوى، فمن المعلوم أن مدينة بيروت أكثر أهلها من غير المسلمين، وأن المسلمين فيها قد فشت فيهم ضروب من الفسق كشرب الخمر والزنا من الكبائر، والظهور على عورات النساء المحارم وغير المحارم من الصغائر التي هي ذرائع الكبائر، والكثير من دورها وحوانيتها أو أكثرها للمسلمين، فإذا لم يبح لهم إجارة دورهم وحوانيتهم إلا لمسلم صالح تقي يرجح المستأجر أنه لا يرتكب فيها محرمًا، فإن أكثرها يصير معطلا ًخاليًا لا ينتفع به بل يسرع إليه الخراب، كما يسرع إلى أهله الفقر والفناء، لأن المسلم الصالح التقي المأمون فسقه قليل، وربما يكون مالكًا لبيت يسكنه.

    وهذا حجة الإسلام الغزالي من أكبر فقهاء الشافعية وصوفية المسلمين الورعين قد أفتى بأن المال إذا حرم كله في بلد أو قطر حل كله.

    وقال هو وغيره أن البلاد التي يغلب أو يعم المال الحرام بالمعاملات الباطلة والفاسدة، لا يؤخذ فيه بقول من قال: إنه يتعدى بل يكفي المسلم الورع فيه أن يأخذ المال من طريق حلال وإن كان أصله حرامًا[1].

    [1] المنار ج28 (1927) ص181-185.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 700 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات