• خيرية القرون الثلاثة مع وقوع الفتن فيها

    ألتمس من فضيلتكم أن تبينوا لي مقصود هذا الحديث الشريف: «خَيْرِ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».

    فإنه قد أشكل عليّ مقصود قوله صلى الله عليه وسلم «خَيْرِ» ما هو ذلكم الخير الذي يقصده صلى الله عليه وسلم، مع العلم بأن قرون الفتن والزلازل والزندقة ما نجمت[1] إلا في تلكم القرون الثلاثة المشهود لها بالخير.

    ألم تروا إلى فتنة عبد الله بن سبأ ذلكم اليهودي اللعين التي أدت إلى قتل الخليفة الثالث رضي الله عنه وإيقاد نار الحرب بين الخليفة الرابع وسيدنا معاوية رضي الله عليهم التي كانت السبب في إزهاق أرواح الألوف من خيرة رجال الصحابة، وظهور الحرورية وقتلهم للإمام علي كرم الله وجهه، وواقعة كربلاء، واستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه، ورمي الكعبة بالمنجنيق، ونبوغ الجهمية وغيرها من الفرق الضالة المضلة، وافتراء الألوف المؤلفة من الأحاديث الموضوعة على رسول الله إلخ إلخ، بل إن خذلان المسلمين اليوم وسقوطهم في هاوية الذل والمسكنة، إنما هي عاقبة تلكم الوقائع السود التي وقعت في تلكم القرون الثلاثة وما تليها.

    أفيدونا مأجورين.

    الحديث ورد في الصحيحين وغيرهما بلفظ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» إلخ. وبلفظ: «خَيْرُ أُمَّتِي أهْل قَرْنِي» إلخ. وفي عدة روايات البخاري «خَيْرُكُمْ قَرْنِي». وقد بين علة الخيرية في الرواية المتفق عليها من حديث عبد الله بن مسعود: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»، وفي رواية من حديث عمران بن حصين في البخاري: «ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بعْدهم قَوْم يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». وفي رواية له زيادة: «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ»، وفي رواية الترمذي والحاكم عنه: «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا».

    فالمراد بخيرية كل قرن على ما بعده خاص بتفضيل المسلمين فيه على من بعدهم فيما يليه، قيل في جملتهم، وقيل في أفرادهم، والمشهور تفضيل الصحابة على من بعدهم مطلقًا.

    والقرن: أهل زمان تجمعهم فيه جامعة يكون فيها بعضهم مقارنًا لبعض، كرئيس يجمعهم من نبي أو حاكم أو غيرهما أو عمل مشترك.

    وحدده بعضهم بالزمان، وفيه أقوال من عشرة إلى مائة وعشرين، والأشهر الذي جرى عليه الناس أن القرن مائة سنة، وليس بمتعين في هذا الحديث، وعليه يمكن تفسير قرنه صلى الله عليه وسلم بزمانه من بعثته إلى وفاته.

    والقرن التالي له بقرن الخلفاء الراشدين لتشابهه، أو إلى آخر مدة عمر، أو إلى حدوث الفتن في زمن عثمان لامتيازه بذلك.

    والمشهور عند جمهور العلماء أن القرن الأول: قرن الصحابة، والثاني: قرن التابعين، والثالث: قرن تابعي التابعين.

    قال الحافظ ابن حجر: واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن.

    وظهر قوله صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» ظهورًا بيِّنًا، حتى شمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان، اهـ.

    وجملة القول، أن التفضيل خاص بما يكون عليه المسلمون من الاعتصام بعروة الدين من صحة التوحيد، والبعد عن الشرك وخرافاته، واجتناب الرذائل وشرها الكذب، والتحلي بمكارم الأخلاق، والإخلاص في العبادات.

    وما وقع من الدعوة إلى الشرك من عبد الله بن سبأ ثم إلى فتن السياسة والملك، فإنما وقع من الكفار كعبد الله بن سبأ اليهودي وأمثاله من زنادقة أهل الكتاب وزنادقة الفرس واصطلى المؤمنون بنارها.

    وفي الصحاح أحاديث أخرى تؤيد هذا المعنى وهو أن كل زمن شر مما بعده.

    أي من حيث الدين والتقوى في مجموع الأمة، وهو مقتضى سنة الله في البشر التي يدل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ[١٦]﴾ [الحديد: 16].

    ولا ينافي هذا وجود بعض المزايا والأعمال في بعض الأزمنة المتأخرة بحيث تفضل بها على ما كان قبلها كزمان عمر ابن عبد العزيز على ما قبله من أزمنة ولاية قومه.

    وقد روى الترمذي بإسناد قوي من حديث أنس وابن حبان من حديث عمار وصححه: «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ».

    قال الحافظ ابن حجر: حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة.

    وحملوا الآخر فيه على زمن المسيح، وهو مع ذلك لا يظهر بالنسبة إلى قوة الإيمان وفضائل الأفراد بل بالنسبة إلى ما يكون فيه من جمع كلمة المسلمين وقوتهم وكثرة البركة في أموالهم ومعايشهم، وخفض كلمة الكفر وذلة أهله، على ما روي في ذلك والله أعلم[2].


    [1] المنار: كان الأصل بان شمس الفتن... ما بزغت إلا، إلخ. فغيرنا الكلمتين بما هو المناسب للمعنى وجاء الجناس بلفظ القرون عفوًا غير متكلف.

    [2] المنار ج28 (1927) ص502-504.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 707 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة