• رائحة الأولياء ورؤيتهم وشفاء المرضى برؤيتهم

    قد اطلعت في الجزء الخامس على جواب سؤال عنوانه: (إثبات الولاية بالرؤى والأحلام) حملني على سؤال حضرتكم عما يحصل في بعض البيوت التي فيها قبور تنسب إلى بعض أولياء الله تعالى من الرائحة الذكية التي تحدث في ليالٍ معلومة من كل شهر تقريبًا، على أنّي شممت هذه الرائحة وما كان في البيت بخور... وأذكر لحضرتكم أن وجيهًا حدثني بأنه مرض منذ سنين مرضًا حار في علاجه الأطباء، فعز الشفاء ولم ينجح الدواء، إلى أن رأى ذات ليلة وهو بين النائم واليقظان شخص ولي مدفون في البيت دخل عليه ووضع يده على خده مدة قليلة، ثم رجع من حيث أتى. وما جاء الصبح إلا وقد شفي من مرضه وعافاه الله، وأنه وصف اليد بأنها ليست يد آدمي وأنها كوسادة ناعمة لينة محشوة قطنًا وضعت على خده ثم رفعت. أرجو الإفادة عن هذه الحوادث وما يشاكلها من رؤية الولي المدفون في البيت يصلي أو يسبح أو يتوضأ مما هو شائع أمره، ولكم من الله الأجر[1].

    ما من مسألة من المسائل التي يتضمنها هذا السؤال إلا وقد تقدم في المنار ما يفهم منه تعليلها إلا الرائحة، ولكن أكثر الناس يحبون أن نكتب لكل جزئية تعليلًا. فأما الرائحة الذكية فسببها أن بعض الناس يضعون البخور أو الأعطار عند قبر الولي في الليالي المعهودة بلا شك، وهو أمر قد عرفناه واختبرناه. ولقد حدث لنا ما هو أبعد منه عن التأويل، وهو أننا كنا في أيام سلوك الطريقة النقشبندية نشم في وقت الذكر رائحة ذكية جدًّا تأتي نفحة بعد نفحة ثم تذهب، ولقد كنا نعللها أولًا إذا حدثت ونحن في حلقة الذكر الاجتماعي التي يسمونها الختم، بأن بعض الحاضرين فتح زجاجة عطرية ثم سدها ونحن لا نراه لأن أعيننا تكون مغمضة مدة الختم، ثم إن ذلك صار يحدث لنا ونحن نذكر الله تعالى ولو في خلوة بابها مغلق وليس معنا فيها أحد. وإننا مع عجزنا عن تعليل طبيعي لذلك نجزم بأن ما يشم عند القبور عادة له سبب طبيعي وهو ما ذكرناه آنفًا؛ لأنه لو كان أمرًا روحانيًّا أو وهميًّا لما كان عامًّا يشمه كل من حضر، بل الروحانيون أو الواهمون خاصة. وأما المريض الذي شفي عقيب الرؤيا فلك أن تعلل شفاءه بما تقدم شرحه في بحث (إبراء العلل) بالكرامة والوهم من المجلد السادس[2]. على أن صاحبك قد طال عليه زمن المرض، ومن الأمراض ما يشفى بدون علاج إذا انتهى سيره، وأعرف رجلًا في طرابلس مرض مرضًا طويلًا لم ينجح فيه علاج، حتى إذا كان ذات ليلة شعر بأن في غرفته صينية من (الكبيبة) فزحف على استه، وكان لا يقدر على القيام حتى وصل إليها فأكلها برمتها، ولم يكن في حال الصحة ليقدر على أكل نصفها أو ربعها فأصبح معافى. وأذكر أن المقتطف سئل مرة عن رجل مقعد معروف في لبنان رأى ذات ليلة بعض القديسين المُعْتَقَدين عندهم أو المسيح أو مريم عليهما السلام (الشك مني) فأصبح يمشي: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ[٥] بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ[٦]﴾[3] [القلم: 5 - 6]. ومثل هذه الحكايات كثيرة، وتعليلها ما شرحناه من قبل ونبهنا عليه آنفًا، فإن كان السائل أو غيره يظن أن هذا خاص بالمسلمين؛ فلماذا لم يكن شائعًا فيهم أيام كانوا قائمين بحقوق الإسلام في الصدر الأول. ولماذا شاع فيهم بشيوع نزعات الوثنية، وضروب البدع والضلالة؟ وأما رؤية الأولياء فتقدم تعليلها كما نبهنا في جواب السؤال السابق.

    [1] المنار ج7 (1904) ص415-416.
    [2] المنار ج6 (1903) ص291-293، وص326-329.
    [3] وردت «أفتبصر» في المنار.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 72 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة