• أحاديث الصحيحين التي ظهر غلط الرواة فيها

    ما هي أحاديث الصحيحين التي اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها؟

    لم أقف على إحصاء لأحاديث الصحيحين التي اتضح لعلماء الحديث أن الرواة غلطوا فيها، وعلماء الحديث قلما يعنون بغلط المتون فيما يخص معانيها وأحكامها الذي هو مراد السائل، وإنما كانت عنايتهم التامة بالأسانيد وسياق المتون وعباراتها والاختلاف والاتفاق فيها والمرفوع والموقف منها، وما عساه أن يكون مدرجًا فيها من كلام بعض الرواة ليس من النص المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وإنما يظهر معاني غلط المتون للعلماء الباحثين في شروحها وما فيها من أصول الدين وفروعه وغير ذلك، ولو لم يكونوا من المحدّثين في الاصطلاح على أنهم يرجعون في ذلك إلى أصول المحدثين، كقولهم: إن صحة السند لا تقتضي صحة المتن في الواقع ونفس الأمر حتمًا، وقولهم: إن من علامات وضع الحديث -وإن صح سنده- أن يكون مخالفًا لنص القرآن القطعي، وفي معناه كل قطعي شرعي كبعض أصول العقائد أو الأعمال المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يتعذر الجمع بينهما، ولهذا جزموا بغلط حديث أبي هريرة عند مسلم في خلق السموات والأرض في سبعة أيام الذي أوله: «خلق الله التربة يوم السبت» لأنه مخالف لآيات القرآن الصريحة في خلق السموات والأرض وما فيها في ستة أيام، بل حكموا بغلط حديث شُريك بن أبي نمر في الإسراء والمعراج من أحاديث الصحيحين في السند والمتن جميعًا، وهو الحديث الذي فيه أن الإسراء والمعراج كانا في رؤيا منامية، وذكروا له عللًا أشار إليها مسلم مقرونة بسياقه على أن بعض العلماء والحفاظ انتصروا له فيه.

    وإذا كانت مخالفة القطعي سببًا للحكم إما بعدم صحة الحديث لعدم الثقة برواته، وإما لغلطهم في سياق متنه.

    فمن الضروري أن تختلف الأفهام في ذلك باختلاف مدارك أصحابها ومعارفهم، فالذين لا يعلمون أن الشمس لا تغيب عن الأرض ولا تحتجب عن جميع سكانها من البشر ساعة ولا دقيقة، لا يرون شيئًا من الإشكال في حديث أبي ذر في بيان أين تكون بعد غروبها؛ لأنهم يظنون أن غروبها عنهم غروب عن جميع العالم.

    ولكن حفاظ الحديث ورجال الجرح والتعديل، قد انتقدوا بعض أحاديث الصحيحين، وجرَّحوا بعض رجالهما بحسب أفهامهم ودرجات معرفتهم، وجاء آخرون فانتصروا للشيخين في أكثر ما انتقد عليهما، وأشهر هؤلاء المنتقدين وأوسعهم تتبعًا وإحصاء الحافظ أبو الحسن الدارقطني صاحب السنن المشهورة، وإذا أردت معرفة ذلك مع ما فيه وما يرد عليه، فراجع الفصلين الثامن والتاسع من مقدمة الحافظ ابن حجر لشرح البخاري.

    فأما الأحاديث المنتقدة في البخاري فهي 110 أحاديث، منها ما انفرد به، ومنها ما أخرجه مسلم أيضًا -وما انتقدوا من إفراد مسلم أكثر من إفراد البخاري- وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن التي أشرنا إلى المهم منها عندهم، ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه فتح البخاري رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها، مع محاولة الجمع بين المختلفات وحل المشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض، فهذا النوع ينبغي جمعه وتحقيق الحق فيه بقدر الإمكان، كما حاول الطحاوي في كتابه مشكل الآثار، وترى نموذجًا منه في كلامنا على أشراط الساعة ومشكلاتها في الروايات الصحيحة وغيرها، على أن من أطال البحث فيه وفيما قبله يدهش لدقة الشيخين ولا سيما البخاري في انتقاء أحاديث الصحيحين وتحريهما فيها.

    وأما موضوع الفصل التاسع؛ وهو تضعيف كثير من رجال الجامع الصحيح فقد سردها فيه الحافظ سردًا وأحصاها عدًا، وترى أن الطعن في أكثرهم مبني على الاختلاف في أسباب الطعن والجرح، فيبني هذا جرحه على ما يخالف اصطلاح الآخر، وترى أن المطعون فيهم قلما يخرج لهم حديث في الجامع الصحيح إلا في المتابعات؛ للتقوية لا لأصل الاستدلال به، فإن جعله أصلًا كان له من الشواهد والمتابعات ما يقويه، مثال ذلك حديث كثير بن شِنظير (بكسر الشين) البصري عن عطاء: في الأمر بتغطية الأواني في الليل وربط الأسقية وإقفال الأبواب ومنع الصغار من الخروج مساء خشية الجن أو الشياطين، كثير هذا قال فيها ابن معين ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الساجي: صدوق فيه بعض الضعف ولكن احتج به الجمهور، وقال البخاري عقب تخريج حديثه من كتاب بدء الخلق: قال ابن جريج وحبيب عن عطاء «فإن للشياطين» يعني أن ابن جريج وحبيبًا المعلم رويا هذا الحيث أيضًا إلا أنهما قالا: «فإن للشياطين انتشارًا وخطفة» بدل قول كثير بن شنظير «فإن للجن» إلخ، أقول: ويختلف في غير هذه الكلمة أيضًا، ولم يذكر البخاري المتابعة إلا لعلمه بأن كثير هذا قد قيل فيه ما قيل، وهو لم يخرج له غيره إلا حديثًا آخر في السلام على المصلي له متابع عند مسلم.

    فأنت ترى أن هذا من دقائق التحري في الروايات، وإنما اخترت التمثيل بحديث كثير هذا على كثرة نظائره؛ للإشارة إلى شيء يتعلق بالمتن لم يكن مما يلتفتون إليه ويبحثون فيه، وهو ما فيه من الخبر عن انتشار الجن والشياطين في أول الليل والخوف على الأولاد منهم، ففي هذا من الإشكال أن أكثر أهل الأرض لا يمنعون أولادهم من الخروج في هذا الوقت، وتمر الأعصار ولا يعرف أحد أن الشياطين فعلت بأحد منهم شيئًا -هذا إشكال يخطر في بال كل متعلم في الأمصار التي انتشرت فيها العلوم والفنون التي يسمونها العصرية، وكل متعلم على طريقتهم في القرى والمزارع، فيقولون: إنه مخالف للواقع في تعليل منع الصغار من الخروج في المساء أي في أول الليل، وقد يزيد على هذا بعض المشتغلين بالعلوم الدينية؛ أن هذا خبر عن أمر يتعلق بعالم الغيب، فلا يقبل فيه انفراد راوٍ واحد فيه من هذه الطرق الثلاث التي لا تخلو واحدة منها من علة، فكثير ضعفه بعضهم، وكذلك حبيب المعلم قال فيه النسائي: إنه ليس بالقوي، وقال أحمد: ما احتج بحديثه، وفي رواية عنه وعن ابن معين: ثقة.

    وأما ابن جريج فهو على فضله وسعة علمه وكثرة روايته مدلس، روى عن كثيرين لم يسمع منهم، وكان يدلس على المجروحين كما قاله الحافظ الدارقطني، والذي عليه أئمة هذا الشأن أنه إذا قال حدثني فهو ثقة وإلا فلا.

    قال يحيى بن سعيد: كان ابن جريح صدوقًا، فإذا قال حدثني فهو سماع، وإذا قال أخبرني فهو قراءة، وإذا قال (قال) فهو شبه الريح (لا قيمة له)، وقال الأثرم: قال أحمد: إذا قال ابن جريح: (قال) و(أخبرت) جاء بمناكير، وإذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به، واختلفوا في روايته عن عطاء، قال علي بن المديني (من كبار شيوخ البخاري ورجال الجرح والتعديل) في كتابه سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف.

    قلت: إنه يقول أخبرني، قال: لا شيء كله ضعيف إنما هو كتاب دفعه إليه.

    أقول: فعلى هذا لا ينفعنا في تصحيح هذا الحديث قوله أخبرني كما رواه البخاري عنه، ولولا مسألة الشياطين لم يكن في متن الحديث إشكال؛ فإن الأوامر فيه كلها نافعة لا تتعلق بحفظ الطعام والشراب مما يدخل فيها من الحشرات الضارة، وكذلك إغلاق الباب عند النوم وإطفاء السراج، على أنه يمكن أن يراد بالشياطين فيه شياطين الإنس الذين يؤذون الأطفال، وفي مصر خطفة منهم يأخذونهم فيستخدمونهم لأنفسهم أو لغيرهم، ويكرهون البنات على البغاء عند استعداد سنهن لذلك أو قبله، فيزول إشكال المتن فيه[1].

    [1] المنار ج29 (1928) ص40-43.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 729 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة