• مسافة القصر في سكك الحديد

    لا يخفى أن علماء الفروع قد حددوا سفرًا مخصوصًا للمسافر حتى يجوزوا قصر الصلاة به. وهذه المدة تنطبق على المسافر من مدينة بيروت إلى دمشق، أو من حمص إلى طرابلس أو منها إلى دمشق، أو من مصر إلى الإسكندرية، فلو تزوج دمشقي مثلًا من بيروت، ثم سافر إلى بلده على القطار الحديدي ومعه أهله وأثاث بيته، وقطع المدة المعلومة في بضع ساعات فهل يجوز له قصر الصلاة أم لا؟ وإذا جاز له فهل من دليل على ذلك يثلج له الصدر، وتطمئن له النفس أم لا؟ ولو ادعى مدع أن القصر في هذه المدة القليلة غير جائز فما الدليل المصادم لدليله على طريقة الأصوليين، فلذلك أحببت نشر هذا السؤال على صفحات جريدتكم الغراء لتتلو الأجوبة، ولتكون معلومة لعموم المكلفين. إذ لو كان سؤالًا خاصًّا لعالم خاص لم تحصل الثمرة المطلوبة، وهو الهادي.
     

    إن الله تعالى أباح لنا قصر الصلاة والتيمم والفطر في السفر، ولم يحدد لنا طول المسافة، فكان مقتضى الظاهر أن تباح هذه الرخص في كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة، ولكن العلماء حاولوا تحديد أقل مسافة لهذه الرخصة بما ورد فيها من قول الشارع أو عمله، فاختلفوا في ذلك على أقوال كثيرة وجعلوا التقدير بالأميال والفراسخ والمراحل، والعبرة عندهم بسير الأثقال المعتدلة، فمن قطع المسافة المقدرة بأقل من الزمن الذي تقطع فيه بسير الأثقال كان له أن يترخص بلا خلاف، فلا فرق إذن بين قطعها في السكة الحديدية بقوة البخار وقطعها على فرس سابق. فلك أن تحج من يعارضك من المقلدين بعدم تفرقة الفقهاء. وأما من يطالب بالحجة الحقيقية فلك أن تحجه بإطلاق السفر في الكتاب والسنة مع ما ورد في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين: (الشك من شعبة)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه. وروى سعيد بن منصور من حديث أبي سعيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخًا يقصر الصلاة». وقد أقره الحافظ في التلخيص، وهو يؤيد رواية الثلاثة الأميال، وبه أخذ الظاهرية وأما حديث ابن عباس عند الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد من مكة إلى عسفان» ففي إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبير وهو متروك، ونسبه النووي إلى الكذب، وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، فأكثر ما ورد في طول المسافة ثلاثة فراسخ إذا لم نعتبر رواية سعيد بن منصور مرجحة للشق الأول من حديث أنس وإلا فثلاثة أميال، وهو فعل لا ينافي جواز القصر في أقل من ذلك، وأقل ما ورد في طول المسافة ميل واحد رواه ابن أبي شيبة شيخ البخاري عن ابن عمر بإسناد صحيح، وبه أخذ ابن حزم مع إطلاق السفر في الكتاب والسنة، وعدم تخصيصه أو تحديده، ومع كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصر عند خروجه إلى البقيع لأنه أقل من ميل، وقد يقال: إنه من ضواحي المدينة فالخروج إليه لا يسمى سفرًا. والله أعلم وأحكم[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص416-417.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 73 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة