• تهتّك النساء وإقرار الحكومة المصرية له

    إن تهتك النساء وتلبسهنّ بجميع أنواع التبرج الشائن، من لبس الرقيق الشفاف، والضيق الذي يجسِّم أعضاءهنّ ويصفها، فضلًا عن القصير الذي تبدو دونه السيقان والسواعد والأعناق وأعالي الصدور مع كمال زينتها وتمام تحليتها لمن أكبر دواعي الفساد، وأقوى أسباب الفتنة في الدين والأخلاق والحياة، وإنه يتفاحش إلى حد مستفظع، فلِمَ تغض الحكومة المصرية الإسلامية الطرف عن ذلك، وما معنى كونها إسلامية؟ ألم يكن من واجبها كبح جماح الفتن، وقضم علائق الفحش الذي يؤدي إلى ضعف قوتها ووهن شوكتها بانغماس رعيتها فيه؟

    تهتك النساء في مصر يفحش ويتفاقم شره، ويستشري ضره عامًا بعد عام، حتى صار يُخشى منه انفصام عرى الأُسر «العائلات» وانتكاث فتل الأمة.

    وأما سبب سكوت الحكومة المصرية عليه وإقرارها له، فهو يرجع إلى التفرنج وسيطرة الإفرنج على البلاد بامتيازاتهم، وبمساعدة أعوانهم المتفرنجين من رجال الحكومة وغيرهم.

    والإفرنج المستعمرون يعنون بإفساد دين الأمة وأخلاقها لتنحل جميع الروابط التي تكون بها أمة لها كون خاص، ومقومات ومشخصات تحيا بها وتأبى بطبعها أن تكون مستعبدة مستعمرة لغيرها، وكان بدء هذا الفساد الديني الأخلاقي في عهد إسماعيل باشا، أي قبل الاحتلال البريطاني، فكان ممهدًا لكل ما فعله رجاله من مقاومة التعليم الديني على ضعفه في مدارس الحكومة، ومن حرية الفسق والفجور، وقد صار الألوف من رجال الحكومة ملاحدة معطلِين، أو فاسقين لا يصلون ولا يصومون، ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله من السُّكر والزنا والقمار، بل منهم من يهزءون بمن يرونه يصلي ويصوم، ويعدونه متأخرًا أو رجعيًّا!! وأما تسمية الحكومة إسلامية، فمعناها أنها تمثل شعبًا أكثر أفراده مسلمون، فهي تراعي شعائرهم ومواسمهم وتقاليدهم الدينية سواء كانت ثابتة في أصل دينهم أو مبتدعة فيه كالموالد، وبناء المساجد والقباب على قبور الصالحين، وتشييدها ووضع السرج عليها من أموال الأوقاف، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة لعن من يفعلون هذا، وليس معناه أنها حكومة إسلامية كحكومة الخلفاء السابقين، أو الحكومة السعودية في نجد والحجاز، والحكومة الإمامية في اليمن، تقيم الشريعة وتلتزمها في سياستها وجميع قوانينها، وتمنع المنكرات الدينية كلها.

    وجملة القول: إن ما فشا في البلاد، من تبرج النساء وتهتكهنّ، ما كان ليفشو إلى هذه الدركة السفلى لولا استحسان الكثيرين من رجال الحكومة، ومن في طبقتهم من الأغنياء المترفين له، ومجاهرتهم في اقترافه[1].

    [1] المنار ج30 (1929) ص 506-507.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 802 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة