• تفسير آيات من صدر سورة الجن

    أريد توضيحًا للآية الكريمة مع الشرح المفصل مع أسباب النزول، قال تعالى:﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا[١] يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا[٢] وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا[٣] وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا[٤]﴾[الجن: 1 - 4].

    يقول الله لحبيبه ومصطفاه: قل يا محمد لقومك: إن الله أوحى إليّ أن جماعة من الجن استمعوا لتلاوتي للقرآن فآمنوا بي وصدقوا وأسلموا، وقالوا لقومهم حين رجعوا إليهم: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا في نظمه، مؤثرًا في تلاوته وبلاغة أسلوبه، وما حواه من بديع الحكم والعظات.

    والغرض من هذا الإخبار: التقريع والتوبيخ لمشركي العرب، لكونهم تباطؤوا عن الإيمان، بينما الجن كانوا أسرع إلى الإيمان منهم ووصفوا القرآن الكريم بأنه يهدي إلى الحق والرشاد ويبلغ العقول رشدها، ولذلك آمنوا وصدقوا ووحّدوا ولم يشركوا بالله أحدًا؛ وحملهم إيمانهم على أن يصفوا الله بصفات الكمال والجلال، والتنزيه عن النقائص والأمثال، فقالوا: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا[٣]﴾[الجن: 3]؛ يعني تعاظمت عظمته وجلّ جلاله عن أن ينسب إليه ما ينافي ربوبيته من احتياجه إلى الصاحبة والولد، لأن ذلك دليل الاحتياج إلى الغير والمولى جَلَّ وعلا غني عن العالمين، فلا يأتي هذا القول إلا من سفيهٍ متجاوزٍ للحدّ في الاعتقاد والقول والعمل، ولا يصدر هذا القول من مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر.

    فهذا القول منهم كمالٌ في التنزيه، وإلقاء باللوم على من قال ذلك، وهم كفرة الجن، لا مؤمنوهم.

    وأنزلت سورة الجن تبكيتًا لقريش والعرب في كونهم تباطؤوا عن الإيمان، وكانت الجن خيرًا منهم؛ إذ أقبل للإيمان مَنْ أقبل منهم -وهم من غير جنس الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام- حتَّى ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾[الجن: 19]، يعني: متراكمين من شدة الزحام عليه لاستماع كلامه والإعجاب به وبصلاته وتلاوته لكتاب الله تعالى مع أصحابه المصطفين حوله.

    فإذا أثّر هذا الكتاب العزيز في الجنّ -وهم ليسوا من جنس البشر الرقيقة قلوبهم-، أفلا يؤثر فيكم يا معشر قريش، وأنتم العرب الفصحاء الذين تعرفون جزالة الألفاظ ودلالتها البليغة البديعة؟! وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾[الأنعام: 33].

    والله تعالى أعلم.

    دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

    رقم الفتوى: 34 تاريخ النشر في الموقع : 06/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة