• شرع ما لم يأذن به الله

    ما قول جنابكم في شخص مسلم يدين بدين الإسلام، كما أنه يزعم أنه من جهابذة المسلمين الكبار وعلامة بمعنى الكلمة، أفتى للفيف من المسلمين بقوله: إن الرجل المسلم الذي يرتكب المعاصي المحرمة شرعًا: كشرب الخمر والزنا أفضل عند الله من المسلم الذي يستعمل الزنار أي حبل الرقبة، وبالفرنساوية (قرافات)، وما حكم القائل بهذا الكلام والإفتاء الفظيع الشنيع في الشرع؟ وهل يحكم عليه العقل بالجنون أو بالإلحاد؟ أفيدونا سيدي على صفحات مجلتكم المنار الغراء.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
     

    إن الذي زعم أن من يرتكب كبائر الإثم والفواحش، كشرب الخمر والربا أفضل عند الله من المسلم الذي يضع في عنقه زيق الرقبة المسمى باللغة الفرنسية (بالكرافات) أقل ما يقال فيه إنه جاهل بدين الله، يقول على الله ما لا يعلم.

    وقوله هذا أعظم جرمًا وأكبر إثمًا ممّن ذكر من العصاة لا من واضع زيق الرقبة على فرض أنه إثم.

    لأن العلماء قالوا في الآية الجامعة لأصول الكفر والمعاصي: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ[٣٣]﴾ [الأعراف: 33] قالوا: إن هذه الكليات ذُكرت بطريق الترقي من المحرم إلى ما هو أشد تحريمًا منه، وأن القول على الله بغير علم تشريع ديني وهو حق الله وحده.

    فمن شرع للناس ما لم يأذن به الله فقد جعل نفسه شريكًا لله في التشريع، ومن قبل تشريعه فقد اتخذه شريكًا لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

    وإنما كان هذا أكبر من اتخاذ شريك لله في العبادة كالدعاء والاستغاثة؛ لأن شرك مَن عبد غير الله بدعاء ونحوه قاصر عليه، ومن اتخذ نفسه شارعًا للناس فشركه متعدٍّ إلى من يتبعه في تشريعه.

    هذا، إذا كان نقلكم عمن ذكرتم صحيحًا.

    ويحتمل أن يكون الرجل قال هذا في الزنار الذي كان في العصور الأولى شعارًا لأهل الذمة يمتازون من المسلمين، وصار لابسه يعد منهم لاشتباهه بهم، ولكن هذا قد بطل منذ قرون.

    وزيق الرقبة في هذا العصر يتخذه ملايين من المسلمين وغيرهم، ولا يصح على أي حال أن يقال أن مرتكبي كبائر الإثم والفواحش أفضل عند الله ممن يلبَس لبسًا خاصًّا بالنصارى أو غيرهم، ولا من النصارى أنفسهم.

    فإن المقام ليس مقام تفاضل مطلقًا.

    وقد اعتاد بعض المتنطعين من لابسي لباس العلماء على المجازفة في التحريم والتكفير بغير علم ولا عقل، وإنما يغرهم قبول أكثر العامة لأقوالهم، وهذا سلطان كان لهم وقد أشرف على الزوال لإساءتهم التصرف فيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [1]


    [1] المنار ج31 (1930) ص ‏738-739.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 889 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة