• المعراج جسماني أم روحاني

    أكان معراج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى السموات وإلى ما شاء الله جسمانيًّا أم لا؟ وما معنى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ...﴾ [الإسراء: 60]؟

    الخلاف في هذه المسألة مشهور يذكرونه في القصة التي يقرءونها في الاحتفال الذي يجتمع له الناس في ليلة 27 رجب من كل عام.

    والروايات فيه متعارضة متناقضة، والجمهور على أنه بالروح والجسد؛ لأن الإنسان روح في جسد، وفي اليقظة لأن جمهور المحدثين حكموا بغلط رواية شريك في كتاب التوحيد من صحيح البخاري في كونه رؤيا منامية.

    وهي في أمر من أمور عالم الغيب فلا تقاس على عالم الشهادة.

    والمعقول في فهمها أن تكون الروحانية هي الغالبة على الجسمانية فيها، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيها كالملَك حين يتمثل في صورة جسدية كما تمثل جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، وكما تمثل للسيدة مريم عليها السلام، وكما تمثل غيره من الملائكة لإبراهيم صلى الله عليه وسلم.

    وبهذا التقريب يزول كل إشكال في فهمها؛ فإن الروح إذا غلب سلطانها على الجسد تلطفه فيخف ويكون كالأثير الذي يفرضه علماء الكون في نفوذه من الكثائف، وتقطع به المسافات الشاسعة بسرعة النور أو أسرع من الأثير.

    نقول هذا على طريقة التقريب للفهم، وعالم الغيب لا تُعرف أسراره وتتجلى أنواره، إلا لمن زُجّ فيه.

    وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60] فمعناه: وما جعلنا الرؤيا المنامية التي أريناكها في المنام إلا بلاءً واختبارًا للناس في دينهم، ظهر بها تمرد المشركين الكافرين، وزلزال الضعفاء ويقين المؤمنين، وليس في القرآن بيان لهذه الرؤيا أوضح من قوله تعالى من سورة الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] الآية.

    وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل -ومعه أصحابه- المسجد آمنين فطافوا بالبيت وحلقوا وقصروا.

    وكانت هذه الرؤيا سبب عمرة الحديبية المشهورة، فصدَّهم المشركون عن دخول مكة وعقدوا معهم ذلك الصلح الذي ساء جمهور المسلمين، وكادوا يعصون الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أمرهم بالتحلل من عمرتهم بالحلق أو التقصير، لولا أن ثبتهم الله تعالى وأنزل عليهم السكينة.

    وهذا التفسير للرؤيا رواه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه.

    ولكن هذه الواقعة كانت سنة ست من الهجرة، والآية في سورة الإسراء وهي مكية، فقيل: إن الله تعالى أراه ذلك وأخبره به في مكة ثم كان تأويله بعد الهجرة، وكثيرًا ما يقولون في مثل هذا: إن الآية مدنية، ووضعت في هذه السورة لمناسبتها لها، وهو على الوجهين خلاف الظاهر.

    وفسرها بعضهم بالرؤيا التي ذُكرت في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: 43].

    وما ورد في حديث سياقها في الحديث من أن الله أرى نبيه صلى الله عليه وسلم مصارع رؤسائهم في الكفر، وهذه كانت بعد الهجرة أيضًا.

    ولكن ورد أنه صلى الله عليه وسلم ذكرها في مكة قبل الهجرة، فهزئ به كفار قريش، وفي الصحيح أن سعد ابن معاذ أتى مكة عقب الهجرة وقبل وقعة بدر فنزل على صديقه في الجاهلية أمية ابن خلف وكان مما أخبره به قوله: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنهم قاتلوك -يعني المسلمين- قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع أمية لذلك فزعًا شديدًا، وفي رواية أنه قال له: إنه قاتلك -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- وإن أمية قال: فوالله ما يكذب محمد.

    ولما دعاهم أبو سفيان للخروج إلى بدر امتنع أمية من الخروج خوفًا من القتل لاعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكذب وإن أخبر عن المستقبل.

    فما زال به أبو جهل حتى خرج وقُتل.

    وفسَّرها الجمهور بما جاء في حديث الإسراء من افتتان بعض الناس به بارتداد بعض ضعفاء الإيمان، وخوض المشركين في إخباره صلى الله عليه وسلم بما هو غير معقول خلافًا لعادته، واحتج به من قالوا: إن ذلك كان رؤيا منام.

    ورواه ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان، وهو صريح رواية شريك في البخاري، والجمهور على خلافه.

    وقد حكموا بغلط شريك لشذوذه عما رواه الكثيرون كما تقدم.

    وقالوا: إن لفظ الرؤيا قد يُطلق على ما يُرى في اليقظة ليلًا، وقيل: مطلقًا، ولا يعرف له نقل، إلا ما روى البخاري عن عكرمة عن ابن عباس في تفسيرها: أنها رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به.

    واللفظ صريح في أن المراد بها شيء أراه الله تعالى إياه في تلك الليلة لا نفس الإسراء، ولهذا قال الحافظ: إنه لم يصرح بالمرئي، وذكر عن سعيد بن منصور من طريق أبي مالك: هو ما أُري في طريقه إلى بيت المقدس، أي ومنه أنه رأى عيرًا لهم قد ضلت وجمعها فلان، فالإشكال في هذه الرواية محصور في إضافة الرؤيا إلى العين، وهو خلاف استعمال القرآن والأحاديث الكثيرة، وما نقل رواة اللغة.

    والآية صريحة في أن هذه الرؤيا كانت فتنة للناس لا بعض ما شاهده صلى الله عليه وسلم في ليلتها.

    وهذا المكان لا يتسع لتحرير هذا البحث.

    وفسَّرها بعضهم بما روي من رؤيته صلى الله عليه وسلم، كأن بني أمية يتعاورون على منبره، وقد كان ملك بني أمية مثار أكبر الفتن في الإسلام، وقد عرفت رأي الجمهور. [1]

    [1] المنار ج32 (1931) ص 25-28.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 895 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة