• مسألة في الوصاية

    توفي رجل في عام 1980م عن زوجة وعن خمسة أبناء وست بنات بعضهم بالغ وبعضهم الآخر قاصر، وقد عيَّن القاضي أحد الإخوة الكبار وصيًا على إخوته الصغار وآذنه في استلام حقوقهم، وكانت تركة المتوفَّى حين وفاته مبلغًا نقديًا من المال وبضع عقارات ومحلًا تجاريًا يحوي بعض البضائع.

    فقام أحد القُصَّر برفع دعوى على أخيه الوصي في عام 1996م يقول فيها إن تركة والده المتوفى لم تصفَّ ولم تقسم عند وفاته وأن الوصي لم يسلمنا نصيبنا من تركة والدنا، وأن الوصي أدارها واستثمرها واستأثر بريعها، وأفرد له عقارات خاصة دون باقي الورثة، سجل بعضها باسمه، والبعض الآخر بأسماء نسائه، دون أن يكون للورثة أموال مثلها، وأن الوصي يدعي أنه أنفق أنصبتنا علينا، وإنا ننكر ذلك ونطالبه الآن بها، وأن ما اتجر به الوصي إنما قد اتجر بأموال التركة حتى غدت تركة ضخمة، وأنه لم يفرد لها حسابات مستقلة بل خلط الأموال جميعها في حساب واحد وهو حساب والدنا المتوفَّى الذي موَّل منه جميع استثماراته، خاصة وأن الوصي الوارث لم يكن له مال غير نصيبه في تركة أبيه.

    وقال الوصي إنه قد قسم التركة وأعطى الورثة أنصبتهم وسدد الدين الذي عليها، ثم قام الورثة بعد ذلك برد أنصبتهم إليه ليستثمرها لهم عدا ثلاث من الوارثات، وإنه لم يفرد ولم يفصل الحسابات عن بعضها البعض رغبة منه في المحافظة على أموال الأسرة، وقد أقرته المحكمة على سداد الدين في عام 2000م أي بعد رفع نزاع الورثة إليها.

    وقد ندبت المحكمة خبيرين حسابيين فاتفقا على أن الأموال جميعها مختلطة، ولم يستطيعا أن يعزلا ما هو خاص للوصي الوارث المستثمر كما يدعي وما هو خاص بأموال التركة، وخلصا إلى أن الوصي المدعى عليه مدين لجميع الورثة بمبالغ مختلفة، كما أن الورثة القُصَّر تم ترشيدهم من قبل المحكمة في عام 97 إلى 2000م أي من بعد دعوى الوصي بتقسيم التركة ورفع النزاع إلى المحكمة، هذا مع العلم أن محكمة الاستئناف قد ردت القضية إلى المحكمة الابتدائية لتقسم وتصفى التركة، مما يفهم منه أن دعوى الوصي بتقسيم التركة غير صحيح والسؤال هو كالتالي: هل تعتبر الأموال الظاهرة الآن والمسجلة باسم الوصي الوارث أو باسم غيره كنسائه ومصدرها تلك الأموال المختلطة التي أكدها الخبيران هي تركة، ونماؤها يقسم على الورثة بقدر حصصهم؟ خاصة وأن المحكمة أكدت أن التركة لم تصفَّ بعد ولم تقسم كما يدعي الوصي؟ وأن الدين الذي كان على المتوفى لم تعتمد الصرف بشأنه إلا عام 2000م أي بعد تفجر النزاع، ولا خلاف بين الورثة على الدين من حيث ثبوته من عدمه؟ وهي مطروحة عليَّ الآن بصفتي قاضي التركات، وأنا بصدد حصر تركة المتوفى، فهل يدخل ذلك النماء ضمن عناصر التركة أم لا؟ وهل مطالبة الورثة بريع تلك العقارات التي حازها لنفسه الوصي يعتبر نصيبهم من تركة والدهم يجوز لهم مطالبته بها؟ ملاحظة: أرجو أن تكون الفتوى على المذهب المالكي أولًا إن أمكن، ثم على الصحيح من رأي أهل العلم.

    لقد أقرَّ هذا الوصيُّ بناء على هذا السؤال، أنه يستثمر أموال الورثة الآخرين الذين كان وصيًا عليهم، حيث ادعى أنه قسم التركة، وأعطى الورثة أنصبتهم، فهذه الدعوى تتضمن الإقرار بحق الورثة، ولا تقبل دعواه إعطاءهم أنصبتهم إلا أن يقر الورثة بذلك، أو تقوم البينة العادلة، إذ الأصل عدم القسمة حتى تثبت، ثم إنه أقر بأنه استرد أنصبتهم ليستثمرها لهم عدا ثلاث من الوارثات، وهذه الأقارير تدل على عدم صحة دعواه السابقة أنه أنفق أنصبتهم عليهم، كما أنه لا يقبل قوله دعوى نفادها بالإنفاق عليهم، إلا أن يكون قوله أقرب إلى الصواب بحسب العرف، إذا كان الإنفاق لصغير في حضانته، فإذا كان كذلك قبل قوله بيمينه، فإن لم يكن في حضانته أو كان لرشيد لم يقبل قوله إلا ببينة، كما في حاشية الدسوقي 4/708، والشرح الصغير 4/612، والمنهاج للإمام النووي 2/379.

    وبناء على ذلك كله فإن هذا الوصي مدين للورثة الذين أقر لهم بالحق، فإن أقر بأن استثماره لمال الورثة الذين كان وصيًا عليهم، دخل في حسابه الخاص وممتلكاته الخاصة، فذاك واضح، وعليه عندئذ أن يميز نصيب كل وارث ونماءه الذي حصل بفعله، وله حينئذ أن يطلب أجرة المثل على عمله في مالهم كل بحسب نصيبه إن لم يكن قد تبرع به، وإن ادعى أنه اكتسب شيئًا خارجًا عن مال الورثة صدق بيمينه، حيث لا يعلم ذلك إلا من قبله.

    فإن لم يقر بأن هذا النماء والاستثمار هو حق لجميع الورثة الذين استثمر مالهم كما أقر سابقًا، فعلى الورثة أن يقيموا بينة عادلة على أن هذا النماء الذي حصل له، هو نماء حصصهم في الإرث، وأن الوصي لم يكتسبه بذات يده من ماله الخاص، فإذا صحت الدعوى بالبينة المذكورة عند القاضي، قضى لهم بها، إذ ليس لعرق ظالم حق كما صح به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيد، وأخرجه البخاري معلقًا في الترجمة.

    فإن لم تقم البينة على ذلك، فليس للورثة المذكورين إلا يمين المدعى عليه، وهو الوصي أن ما في يده هو من كسب يده مما يملك خاصة دون بقية الورثة، فإن نكل على اليمين قضى بنكوله وحلف الورثة الآخرون واستحقوا المُدَّعى به.

    أما تقرير الخبيرين الحاسبين، فلا تقوم به حجة، حيث لم يهتديا إلى شيء غير أنه يستأنس بقولهما لصحة الدعوى من كذبها.

    والله تعالى أعلم.

    دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

    رقم الفتوى: 1036 تاريخ النشر في الموقع : 06/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة