• شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم

    هل شُقَّ صدرُ النبي صلى الله عليه وسلم واستخرجت منه علقة سوداء، أو علقتان وما الحكمة في ذلك؟ والقلب الذي هو بيت الحكمة غير محسوس، فهل يريد أهل السير بتلك الروايات التي أخالها ضعيفة تنقية قلبه الجسمي الصنوبري أم قلبه الروحي؟

    أخرج ابن إسحاق وابن راهويه وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وأبو نعيم وابن عساكر، من طريق عبد الله بن جعفر بن أبي طالب حديثًا طويلًا عن حليمة بنت الحارث السعدية، أم النبي صلى الله عليه وسلم بالرضاعة منه، أنه صلى الله عليه وسلم كان بعد شهرين أو ثلاثة من سنته الثالثة خلف بيوتهم مع أخ له من الرضاعة، فجاء أخوه يشتد فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجتُ، أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائمًا منتقعًا لونه.

    فاعتنقه أبوه، وقال: أي بني ما شأنك؟ قال جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا منه شيئًا فطرحاه ثم رداه كما كان.

    وفيه أنهما خشيا أن يكون قد أصيب فرداه إلى أمه، إلخ.

    أقول: من المعلوم أن عبد الله بن جعفر لم يسمع هذا الحديث من حليمة، بل قال الذين أخرجوه عنه: إنه قال: حُدِّثْتُ عن حليمة، ولم يذكر مَن حدثه به، وقد أخرجه ابن إسحاق من طريق نوح بن أبي مريم، وهو ممن ثبت عنهم الكذب ووضع الحديث، وعبد الله بن جعفر ولد في الحبشة في عهد الهجرة إليها.

    وأخرج البيهقي وابن عساكر حديثًا آخر عن حليمة فيه هذه المسألة مطولة مخالفة للأولى في سياقها، وفي موضع وقوعها، إلخ.

    وهي التي يذكرونها في بعض قصص المولد.

    وهو من طريق محمد بن زكريا الغلابي عن يعقوب بن جعفر بن سليمان عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، وقد قال الدارقطني في محمد بن زكريا الغلابي مخرجه: إنه كان يضع الحديث وصرَّح غيره بكذبه أيضًا.

    وأخرج مسلم عن شيبان بن فروخ: حدثنا حماد بن سلمان حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمَهُ ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره، ا هـ.

    أقول: هذه الرواية تقوي رواية عبد الله بن جعفر عن حليمة، ويحتمل أن يكون أنس سمعها منه فهو لم يقل أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من غيره، وحماد بن سلمة تركه البخاري وهو من أثبت من رَوَى عن ثابت البناني، ولكنه تغير بعد كبر سنه وساء حفظه، على أن أنسًا رضي الله عنه كان بعد كبر سنه ينسى بعض ما حدَّث به، ويقال: إن مسلمًا تحرى من رواية حماد عن ثابت ما سمعه منه قبل تغيره.

    ثم أخرج مسلم عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أُسْرِيَ بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، وساق الحديث بقصة نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه شيئًا وأخر وزاد ونقص، ا هـ.

    وهي معارضة بما يأتي، وهو أصح منها.

    أقول: رواية شريك عن أنس في قصة الإسراء والمعراج طويلة، وفيها أنها كانت قبل البعثة، وهي مخالفة لرواية ثابت البناني من كل وجه، وقد أخرجها البخاري برمتها في التوحيد، وفيها أن القصة ومنها شق الصدر كانت رؤيا منامية.

    وأقوى الروايات في شق الصدر ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس ابن مالك عن مالك بن صعصعة من حديث الإسراء والمعراج الطويل، وليس لمالك هذا غير هذا الحديث الذي يرويه أنس عنه.

    وفيه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدَّثه عن ليلة أسري به قال: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ، -وَرُبَّمَا قال: فِي الْحِجْرِ،- مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ، -قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ- مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ -أي وأشار إلى ثُغْرَةِ نَحْرِهِ وآخر بطنه- فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيْد».

    هذا لفظ البخاري وزاد مسلم «ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً» إلخ، ومن المعلوم بالضرورة أن الإيمان والحكمة ليسا مادة جسمانية فتوضع في القلب الجسماني.

    وجملة القول: أن الروايات في شق الصدر مختلفة من عدة وجوه، وأقواها أنه كان ليلة الإسراء بعد البعثة، وحملها بعضهم على التعدد، وقد كانت في حالة بين النوم واليقظة، وفي رواية شريك في حالة النوم، لأنه يقول في أولها: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ» في أخرها «ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ».

    والاختلاف فيها كالاختلاف في سائر أخبار تلك الليلة، سببها أنها أخبار عن أمور غيبية فالإحاطة بها تتعذر أو تتعسر.

    والظاهر من مجموعها أنها تمثيل لحفظ نفس النبي صلى الله عليه وسلم وقلبه من حظ الشيطان من سائر بني آدم بالوسوسة والإغواء.

    فالمراد منها أن الله تعالى طهَّر نبيه وصفيه من كل ما لا يليق بمنصبه الأعلى من الشهوات والأهواء التي هي موضوع وسوسة الشيطان، وكثيرًا ما تتمثل المعاني بالصور الحسية في المنام وفي الكشف الروحاني كما ثبت في رؤى النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرة، وفي رؤيا يوسف عليه السلام، والرؤى التي أولها لصاحبيه في السجن ثم لملك مصر.

    وقد استشكل بعض الفقهاء استعمال طست الذهب وأجابوا عنه بأنه كان قبل تحريم استعمال أواني النقدين، وهي غفلة تامة من وجوه من أظهرها أن جبريل عليه السلام مكلف في عالم الغيب، وفي تصوير الحقائق للنبي صلى الله عليه وسلم بالصور الحسية، وأن يتبع فروع الشريعة العملية، وقد لمح هذا الحافظ ابن حجر فقال بعد ذكر جوابهم الأول: ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا وما وقع في تلك الليلة، كان الغالب أنه من أحوال الغيب فيلحق بأحكام الآخرة، والظاهر ما حققناه.

    إذ لا يعقل سواه، وقد علمت منه أن دعوى رؤية أخي النبي في الرضاع لشق الصدر ورؤية أنس لأثر المخيط فيه لا تصحان، ولو كان في صدره أثر خياطة، لرواها أمهات المؤمنين وغيرهن لغرابتها، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان أنس ابن عشر سنين وخدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ومات سنة 93 على الأرجح فكان عمره 103 سنين رضي الله عنه. [1]

    [1] المنار ج33 (1932) ص 277-279.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 953 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة