• توبة المحكوم عليه بالإعدام عند تنفيذ الحكم

    يقول السائل: عند تنفيذ حكم الإعدام في مذنب يأتي واعظ السجن يلقنه بعض كلمات يستغفر الله فيها ويتوب مما قدمت يداه، وأن الله تعالى يقول في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا[١٧] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 17 - 18]. وسأل: هل توبة المذنب واستغفاره لحظة الموت صحيحة؟ وهل الواعظ وهو يلقي عبارات التوبة والوعظ في مقامهما؟ وطلب بيان الحكم مدعمًا بالأسانيد شاملًا القتلة وغيرهم من المذنبين الذين يرتكبون جرائم يحكم عليهم بسببها بالإعدام.
     

    إن التوبة شرعًا هي الندم على ارتكاب الإثم والعزم الصادق على ترك العود إليه، فقد ورد في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «التَّوْبَةُ النَّصُوحُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ حِينَ يَفْرُطُ مِنْكَ فتَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالى ثُمَّ لا تَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا»، فمتى وجد العزم والندم الصادقان من المؤمن المذنب على ترك المعصية وعدم العود إليها ذلًا لله وخوفًا من عقابه كانت توبته حينئذ صحيحة، ونرجو أن تكون منجية له من العذاب إن شاء الله، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]، وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: 82]، وهذا وعد من الله لمن أخلص النية في التوبة من الذنب والندم عليه، ووعده الحق سبحانه لا يتخلف فضلًا منه ورحمة، وقال الغزالي في إحياء العلوم في باب التوبة من الجزء الحادي عشر: «وهي -أي التوبة- واجبة على كل مسلم على الدوام، وفي كل حال؛ لأن البشر قلما يخلو عن معصية بجوارحه، فإنه إن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال من الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، وإن خلا عن ذلك كله فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله»، ولكي تكون التوبة مقبولة يجب أن تكون في وقت يستطيع المذنب فيه أن يعمل من الحسنات ما يمحو به سيئاته قبل أن تصل به حياته إلى نهايتها، وتزايله كل ما كان فيه من قوة على اختيار ما ينفعه، حينئذ يتجرع غصة اليأس عن تدارك ما فاته، ولا يجد إلى إصلاح حاله سبيلا بعد أن تقطعت من حوله كل السبل على أن يعمل، وأن يعمل خيرا يزيل آثامه ويجده خيرا في أخراه عملا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، وقوله عليه السلام: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]، فإن معنى القريب قرب العهد بالخطيئة بأن يندم عليها بعد ارتكابها مباشرة أو بعده بقليل، ويمحو أثرها بالحسنات يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على قلبه فلا يقبل المحو منه، فالتوبة النصوح إذا صدرت من المذنب في وقتها مستوفية شروطها تلحق التائب بمن لم يرتكب المعصية أصلًا؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فمن قتل ظالما بقتله ووجب عليه القصاص شرعًا وذهب مختارًا إلى ولي الدم معترفًا بجرمه فاقتص منه ولي الأمر كان ذلك منه توبة مقبولة، يدل لذلك ما روي أن ماعزا لما جاء إلى النبي -عليه السلام- معترفًا بأنه زنا، وطلب من الرسول أن يحده رده عليه السلام، فعاد إليه ثانية فرده، فعاد إليه الثالثة فأمر به فرجم، فكان الناس فيه فريقين: فقائل يقول: لقد هلك وأحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أصدق من توبته، فقال رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ»، وروي أيضًا أن الغامدية جاءت الرسول -عليه السلام-، فقالت: إني قد زنيت فطهرني، فردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك تريد أن ترددني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى، فقال عليه السلام: «أَمَّا الآنَ فَاذْهَبِي حَتَّى تَضَعٍي»، فلما ولدت أتت بالصبي في خرقة، فقالت: هذا قد ولدته، قال: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطُمِيهِ»، فلما فطمته أتت بالصبي وفي يده كسرة خبز، فقالت: يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرض رأسها، فنضح الدم على رأسه، فسبها، فسمع رسول الله -عليه السلام- سبه إياها، فقال: «مَهْلًا يَا خَالِد، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت، أما من لاذ بذنبه فارًا به منكرًا له حتى أخذت الأدلة بتلابيبه، فقضي بإقامة الحد عليه وتاب وهو في طريقه إلى ساحة القصاص لم تقبل توبته ولم تكن منجية له من ذنبه الذي اقترفه؛ لأنها توبة لم تستكمل شرائطها شرعًا، فالقاتل الذي لاذ بالفرار متخفيًا بجرمه وأقيمت عليه الدعوى بأنه قتل فلانًا عمدًا عدوانًا، فأنكر، فقامت عليه البينة القاضية بالقصاص منه، أو اعترف رغمًا منه بعد أن حاطته هذه الأدلة ولم تترك له إلا سبيل الاعتراف بذنبه بعد أن يئس من التخلص منه، وقضي عليه عندئذ بالقصاص، ثم تاب وهو في طريقه إلى حبل المشنقة لم تقبل توبته؛ لأنها أيضًا لم تستوف شرائط قبولها شرعًا، وهكذا كل كبيرة يتوب فيها المذنب وهو في حال يستطيع معه أن يأتي من الحسنات ما يمحو إثمه فإن توبته في هذه الحال تكون مقبولة بإذن الله، وإن لم يتب حتى جر إلى ساحة القصاص فتاب عندئذ لم تقبل توبته شرعًا، وما جرى عليه العمل من تلقين التوبة للقاتل وقت تنفيذ حكم الإعدام عليه لا يقطع بقبول هذه التوبة بل ننظر، فإن كان هذا المذنب قد سبقت له التوبة من هذا الذنب بعد ارتكابه وكانت توبته في وقتها مستوفية شروطها كان تلقينه التوبة حينئذ من قبيل تكرار التوبة عن هذا الذنب، وإن لم يكن سبقت له التوبة من جرمه قبل القضاء عليه بالقصاص وسوقه إلى إقامة الحد فيه لم تفده توبته؛ لأنها جاءت في غير وقتها مجردة عن شروط قبولها. أعاذنا الله من الإثم، وهدانا سواء السبيل، والله الموفق.

    والله أعلم.

    المبادئ:-

    1- التوبة النصوح هي الندم على الذنب حين يقع مع الاستغفار وعدم العودة إليه أبدًا.

    2- التوبة واجبة على كل مسلم على الدوام وفي كل حال ما لم يغرغر.

    3- التوبة النصوح إذا صدرت مستوفية لشروطها تمحو الخطايا.

    4- لا تقبل توبة من أنكر الذنب وثبت جرمه بالأدلة وحكم عليه بالإعدام فتاب قبل التنفيذ.

    5- تلقين التوبة للمذنب عند تنفيذ الإعدام لا يقطع بقبولها.

    بتاريخ: 2/12/1959

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 374 س:88 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: حسن مأمون
    تواصل معنا

التعليقات