• طي المسافة وزوي الأرض

    ما قولكم في قول من قال أن الولي يجوز أن يتشكل في عدة أجسام حتى إذا لم يره أحد يحضر الجمع ولا الحج فلا ينكر عليه؛ لأنه إنما رأى جسمًا واحدًا لم يصل ولم يحج، وهذا لا ينافي أن الأجسام الأخر حجت وصلت وصامت.

    وروى أحاديث تشهد له بذلك كرفع بيت المقدس إليه صلى الله عليه وسلم حتى نعته لقريش ورؤيته للجنة في عرض الحائط فهل هذا صحيح؟ وهل نقل عن أحد من خير القرون ذلك؟ فإن قلتم هذا صحيح فما وجه من ينكر على الحنفية فيما ذكروه في ثبوت النسب من قولهم، ولو تزوج رجل بالمشرق على امرأة بالمغرب ولم يعلم أنه اتصل بها بسبب من الأسباب المعلومة فأتت بولد لستة أشهر نسب إليه لاحتمال طي المسافة، أو أنه زيد في ذكره حتى وصل إليها؟

    إن ما يسمونه طي المسافة غير مسألة زوي الأرض ورؤية الأماكن البعيدة منها.

    فالأولى عبارة عن تشكل الروح المجردة في مادة لطيفة تقطع بها المسافات البعيدة في مدة قصيرة. ومنهم من يفسر بها الإسراء والمعراج.

    والثانية: عبارة عن تمثل الأماكن البعيدة بصورها للروح أمامها في الهواء أو في حائط مثلًا بصورة مصغرة، فتدركها الروح كالمرئية بالعينين وهي التي يفسر بها رؤية بيت المقدس للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكانه بمكة، وتمثل الجنة له أيضًا.

    ومنه حديث «زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ» أي جمعت منقبضة مصغرة.

    ومثال ذلك تصغير الصور بعدسيات الزجاج من جهة كتكبيرها من جهة أخرى.

    وخلاصة الحديث أنه مثلت له الأرض صغيرة مزوية، فرأى منها ما يصل إليه ملك أمته لا أنه قطع مسافتها.

    وأصح ما ورد في تمثل بيت المقدس له حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَا اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ».

    فمعنى جلاَّه أظهره وكشفه له كشفًا جليًّا، وليس معناه أنه قلعه من مكانه ووضعه في مكة، ورواية رفعه له تصوير للرواية الأولى ونحن لا ننكر على من دونه صلى الله عليه وسلم أن تتوجه نفسه إلى شيء فينكشف لها فيراه، فإن هذا من جنس الكشف الذي نقل عن بعض أصحاب الرياضيات، ولكنهم لم يصلوا فيه إلى مثل درجته صلى الله عليه وسلم في الوضوح وطول المدة، بحيث يتمكن من وصفه بتلك الدقة.

    وأين هذا من خرافة طواف الكعبة بالولي إن يكن يراد بها التخيل المحض؟ [1]


    [1] المنار ج33 (1934) ص 687.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 989 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة