رقم الفتوى: 452

العنوان: ترتيب اي الرحمن الرحيم

السؤال:

بعد السلام، أعرض أنه قد تجاهل بعضهم حكم الله تعالى وآياته المحكمة التي أنزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتي أحرزت بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، وأخذ مأخذه من التغيير والتأويل والتحريف والتبديل، مدعيًا ما لم يدعه أحد قبله في العصور الخالية، وهو أن البسملة التي هي فاتحة الكتاب، فيها خلل يعثر عليه المنتبهون مثله من ذوي الألباب، وهو أن البلاغة تقضي بتقديم الرحيم على الرحمن.

فأرجو من سيادتكم وإرشادكم أن تبينوا هذا لمن جهل الحقيقة على صفحات مناركم المنير، كيلا يتشبث بهذا التشبث من غلب عليه الجهل من المسلمين.

الإجابة:

إن بعض المتعصبين الكارهين للشيء لا ينظرون إليه إلا نظرة الكاره الملتمس للمَذَامِّ والمعايب، فإذا وجدوا منفذًا لشبهة يشوهون بها حسنه عدوها حجة ناهضة، وقد استنبط بعضُهم الاعتراضَ الذي أشار إليه السائل من قول أكثر المفسرين للبسملة: أن لفظ «الرحمن» أبلغ وأعظم معنى من لفظ «الرحيم» لأنه أكثر حروفًا، والأصل أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وفسروا «الرحمن» بأنه المنعم بجلائل النعم، و«الرحيم» بأنه المنعم بدقائقها، وأوردوا على هذا أن الترتيب لا يكون على قاعدة الترقي في الكلام بالانتقال من الأدنى إلى الأعلى، وأجابوا على ذلك بأن الترقي إنما يكون هو الأبلغ إذا كان اللفظان -كعالم ونحرير- يدل أحدهما على معنى الآخر وزيادة، فإنك إذا قلت: فلان نحرير عالم كان لفظ عالم، تكرارًا لا فائدة له؛ لأن لفظ «نحرير» يدل عليه؛ لأن النسبة بينهما هي العموم والخصوص، وذكر الأخص يستلزم الأعم ولا عكس.

وكلمتا «الرحمن الرحيم» ليستا من هذا القبيل؛ لأن «الرحمن» هو المنعم بجلائل النعم فقط، فبدئ به لأنه الأعظم معنى والمقام مقام الثناء فيقدم فيه الأبلغ الأدل على الفضل، ثم جيء بلفظ «الرحيم» كالمتمم للمعنى؛ ولئلا يحجم من يحتاج إلى النعم الدقيقة عن طلبها من الله تعالى.

وهذا توجيه قوي جهله أو تجاهله المعترض المتعصب فقال ما قال.

على أن هذا التفسير للاسمين الكريمين ليس هو التفسير الذي لا معدل عنه، فقد اختار الأستاذ الإمام قول بعضهم: إن لفظ «الرحمن» من قبيل الصفات العارضة كالعطشان والغضبان، ولفظ «الرحيم» من الصفات الثابتة كالحكيم والعليم، فذكر الوصف الدال على التلبس بالرحمة بالفعل عند عروض الحاجة إليها بالنسبة إلى البشر لا إلى الله تعالى الذي لا يطرأ عليه تغيير، ثم ذكر الوصف الدال على الثبات والدوام ليفهم العربي من أسلوب كلامه أنه سبحانه وتعالى متصف بالرحمة بالفعل عند حاجة العباد إليها، وأنها مع ذلك صفة ثابتة له في الأزل والأبد بصرف النظر عن تعلقها بالعباد، وهو وجه ظاهر.

وهنالك وجه آخر في حسن الترتيب وبلاغته، وهو أن الرحمن هو الوصف الذي عُدَّ من قبيل اسم العَلَم واسم الذات؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110].

وأما «الرحيم» فهو الوصف الذي يراد منه معنى الوصفية، ولذلك تعلقت بها الباء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

وهذا الوجه ظاهر أيضًا لا شبهة تجرئ المتعصب على الاعتراض عليه بل هو الأظهر، فهو إذا لم يجهله يتجاهله تعصبًا ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. [1]


[1] المنار ج16 (1913) ص102-103.