رقم الفتوى: 46

العنوان: المذاهب الاسلامية في الاصول وطريقة المنار

السؤال:

إننا نود، وغيرنا من إخوانكم المسلمين يودّون من حضرتكم أن تدرجوا في المجلة طريقة كل مذهب من المذاهب الأخرى مثل الشيعة والزيدية والوهَّابية والجبرية، وغيرهم لنطلع على ذلك، ولنعرف ما عليه هذه المذاهب؛ فإن البعض من إخوانكم المسلمين يعتقدون أنهم مسلمون، وعلى الكتاب الشريف، والبعض يقول غير ذلك.

الإجابة:

كل هؤلاء الذين ذكرتم مسلمون. وأصل الدين عندهم كتاب الله تعالى، ويقرّون بوحدانية الله، وبرسالة خاتم النبيين، وكون ما جاء به حقًّا، ويقيمون الصلاة، ويُؤْتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحجُّون البيت الحرام، ويصبرون على ظلم الحكومة العثمانية فيه. ولكنهم يختلفون في تأويل بعض الآيات وبيان المراد منها، وفي رواية الحديث وسيرة السلف اختلافًا قريبًا أو بعيدًا من الحقِّ، فللشيعة ومنهم الزيدية روايات غير معروفة، أو غير معتمدة عند أهل السنة، وبذلك اختلفوا في مسائل كثيرة أغلبها في فروع الأحكام. ولهم أيضًا طرق في الاستنباط يخالفون في بعضها طرق فقهاء المذاهب الأخرى. وأما الوهابية فليس لهم كتب تعتمد في الحديث غير كتب أهل السنة، وهم أقرب إلى العمل بالسنة من جميع المسلمين على غلوّ في بعضهم. وليس من موضوع المنار تفصيل مسائل الخلاف، وإنما هو مجلة المسلمين عامة يخاطبهم وتعظهم بالأصل المتفق عليه عند الجميع، وهو كتاب الله تعالى، والسنة العملية التي كان عليها السلف الصالح بلا خلاف، ويدع لهم كل ما اختلفوا فيه حتى يفيئوا إلى أصل الوفاق إن شاء الله تعالى.

فالدين واحد، والكتاب واحد، والله يقول فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159]، ويقول في قوم غير مرضيين عنده: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14].

ولم يَسْلَم المسلمون مما جرى لمن قبلهم من الأمم باختلاف التأويل والروايات الآحادية وأهواء الرؤساء والتعصب للمرشدين، ونرجو أن يعودوا بتربية الزمان القاسية إلى الوفاق بالعَوْد إلى الأصل المجمع عليه، وهو الكتاب والسنة العملية المتفق عليها، ويعذر بعضهم بعضًا في الروايات القولية الآحادية، مع البحث والمجادلة بالتي هي أحسن حتى يفيء المخطئ إلى أمر الله الذي لا خلاف فيه.

هذه هي الطريقة المثلى في إرشاد المسلمين في رأينا، وقد أخطأها الوهابية فحاولوا بغرارة البداوة، وقسوتها أن يرجعوا المسلمين عن البدع بالقوة القاهرة فكانوا من الخائبين، وأساء الظن فيهم سائر المسلمين، ومن العجائب أن عند المسلمين إحساسًا عامًّا بأنه لا يصلح حالهم، ويعود مجد دينهم إلا بإبطال المذاهب كلها، والرجوع إلى الأصل الأول، والإمام المبين، وهو القرآن إذ اتفق سنيهم وشيعيهم على أن المصلح المسمى بالمهدي سيبطل المذاهب كلها؛ أي: أن الإصلاح لا يكون إلا بذلك، ولكنهم جعلوا طريق ذلك غير معقول، وهو شخص مخصوص يظهر بالخوارق دون السنن كما تقدم في الجزء الماضي[1].

[1] المنار ج7 (1904) ص182.