• الاقتداء بصلاة متخذي الوسطاء والشفعاء عند الله وما يتبع ذلك في حقيقة الإسلام والارتداد عنه

    هل تصح الصلاة خلف متخذي الشفعاء والوسائط من مسلمي هذا الزمان أم لا تصح؟[1]

    الظاهر أن السائلين يعنون بمتخذي الشفعاء والوسطاء عند الله من يصدق عليهم قوله تعالى في مشركي العرب: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، وإنهم مرتابون في الاقتداء بهم في الصلاة مع هذا الشرك الصريح؛ لأنهم يأتونه عن جهل ويحسبون أنه طاعة لله وعمل بدينه، وهم مؤمنون إجمالًا بالله، وبأن كل ما جاء به عنه خاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم فهو حق، وإيمانهم بذلك إيمان إذعان؛ لأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون بيت الله من استطاع منهم إليه سبيلًا، فموضع الإشكال على هذا ما يصدر عنهم من العبادة الشركية لغير الله تعالى؛ كدعاء الموتى من الصالحين والتمسح بقبورهم، والطواف بها وببعض النبات والجماد لشفاء الأمراض وتفريج الكروب وتوسيع الرزق، وغير ذلك من الأعمال والاعتقادات المنافية للتوحيد الذي جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أن لا يعبد إلا الله، وأن يخلص له الدين وحده -فلا يدعى معه أحد- هل هي من أعمال الشرك المجمع عليها، المعلومة من الدين بالضرورة، فلا يعذر الجاهل بها كما يقول المتكلمون والفقهاء، أم هي مما يخفى على غير العلماء الأعلام، العارفين بحقيقة ما كان عليه الصدر الأول من قواعد الإسلام، فيعد الجاهل بها والمتأول فيها معذورًا، وإسلامه وما يترتب عليه من الأعمال صحيحًا؟ ثم إذا كان أس الدين مما يعذر جاهله، وهو توحيد العبادة وإخلاصها لله تعالى بالتوجه إليه فيها وحده، ولا سيما الدعاء الذي هو مخها ولبابها، فأي قاعدة من قواعده، أو ركن من أركانه المبنية على هذا الأس لا يعذر الجاهل بها أو المتأول لها؟ وأين إجماع الأمة على أن التوحيد الخالص شرط لصحة الصلاة والصيام وسائر العبادات، لا يعتد بشيء منها بدونه مع سائر أصول الإيمان القطعية المعلومة من الدين بالضرورة؟ إننا نعلم بالاختبار الدقيق أن كثيرًا ممن يدعون غير الله تعالى يجهلون كثيرًا من هذه الأصول الاعتقادية والعملية، وأن منهم من التاركين لأركان الإسلام كلها أو بعضها والمرتكبين لكبائر الإثم والفواحش المصرين عليها بدون مبالاة بأمر ولا نهي، ولا انتفاع بذكرى ولا زجر، ومنهم من اعتاد بعض الأعمال الدينية المشروعة والمبتدعة اعتيادًا، ولكنه لا يعرف الخشوع والخوف والرجاء إلا عند تلك القبور وذكر أصحابها، أو نحوها مما يعظمون تعظيم عبادة وتدين، وإن لم يسموه كله أو بعضه عبادة، ومن هؤلاء وأولئك الذين يدْعون هؤلاء الموتى خاشعين معتقدين أنهم يقضون حوائجهم بأنفسهم ولا يخطر في بالهم غير ذلك، ومنهم من يسمي دعاءه توسلاَ واستشفاعًا، ولا سيما إذا ًانكر عليه، وهذا عين ما حكاه القرآن عن مشركي العرب، ولم يعتدّ بإيمانهم حتى يتركوه، وقال فيهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]، ومن هؤلاء الذين يعدون هذا تأولًا المذعنون للأمر والنهي الملتزمون للفرائض المتأثمون من المعاصي، وفيهم وقع الإشكال فيما يظهر؛ لأن تكفير المؤمن المتأول المعين فيه خطر عظيم، ولا سيما في هذا الزمان الذي ترك أكثر أهله علم الدين على الوجه الذي كان معروفًا عند سلف الأمة أهل الحق.

    وإننا نمهد للجواب التفصيلي الشافي تمهيدًا نراه ضروريًّا فنقول:

    1- إن قواعد العقائد وأصول الإيمان وأحكام الإسلام والردة المجمع عليها والمسائل الاعتقادية والفرعية المختلف فيها كلها مقررة في الكتب، وإن كل مسلم مكلف أن يعرف الفرائض العينية منها، وأن يبذل جهده فيما في تطبيق الوقائع والنوازل التي تعرض له على ما عرف، ومن ذلك الجهد سؤال العارفين واستفتاء المفتين فيما يشكل عليه من ذلك إلى أن يهتدي إلى الحكم المنطبق على الواقعة، فهذا اجتهاد عملي يطالب به العوام كالعلماء، كالاجتهاد في القِبلة في حالة البعد عن الكعبة المشرفة، وعدم المحاريب المتواترة.

    وإن لأحوال الزمان والمكان تأثيرًا عظيمًا في هذا الاجتهاد العملي؛ من مظاهره أنك ترى الناس يستنكرون البدع عند ظهورها أشد الاستنكار، وربما بالغوا في ذلك فجعلوا المباح محظورًا كالبدع في العادات والماعون والأزياء، وكم كتب بعض المشتغلين بالعلم رسائل وكتبًا في تحريم بعض هذه المستحدثات في أول العهد بظهورها، كالأحذية الشائعة التي تسمى في مصر بالجزم (جمع جزمة)، وفي الشام بالكنادر واللساتيك، ومنها ما يسميه الفريقان (البوتين)، وإذا شاعت المنكرات الدينية وعمت تصير عند الجمهور كالمباحات، بل يجعلون بعضها في عداد المسنونات والشعائر الدينية، ولا سيما في هذا الزمان الذي تُرك فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أكثر البلاد التي يقطنها المسلمون، بل صار كثير من المحظورات المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة من المباحات في حكم القانون المتبع كالربا والزنا وشرب الخمر، فمن يعيش في أمثال هذه البلاد لا يكون نظره في تطبيق الأعمال على القواعد والأحكام الشرعية كمن يعيش في بلاد نجد التي لا يكاد يرى فيها شيئًا من أمثال هذه المنكرات فَاشِيًا مألوفًا، ولا يسمع فيها بحكم من حاكم غير مستند إلى نص من كتب الفقه المعتبرة، لذلك ينقل عن بعض عوامهم تكفير مرتكب بعض المعاصي ولو غير قطعية، وفي مصر لا يكفر التارك لجميع أركان الإسلام والمستبيح لأكبر الفواحش بالإصرار على المجاهرة بها بلا مبالاة.

    2- قد اختلف مصنفو الكتب الكلامية والفقهية اختلافًا واسع النطاق في مسائل الكفر والردة من حيث الأدلة ومن حيث تطبيقها على الأعمال والناس، وناهيك بتشديد من ناطوا هذه المسائل باللوازم القريبة والبعيدة للأحكام القطعية أو الظنية القوية كمن كفروا من حقر عالمًا، أو قال أو فعل ما ينافي احترام كتاب شرعي أو فتوى شرعية بالإلقاء على الأرض، أو القول ببطلان الفتوى أو عدم قبولها؛ إذ عدوا أن إهانة الفقيه أو فتواه أو الكتاب تستلزم إهانة الشرع، وأن عدم الإذعان والاحترام للفتوى يستلزم رفض الشرع والدين، وقد يعدون من الإهانة وعدم الاحترام ما ليس منه في الواقع، أو في عرف الفاعل وقصده، ويوجد في هذه الكتب -ولا سيما تصانيف المتأخرين منها- من الأقوال ما لا يمكن إثباته شرعًا، وفي بعضها تأييد للبدع المخلة بأصول الدين وفروعه.

    3- قد وقع من جراء ما ذكر ما نراه ونشكو منه في هذه البلاد من الفوضى في العلوم الدينية وتطبيقها على الأعمال المجرئة لأحد المنتمين إلى طريق المتصوفة الغارقين في البدع على كتابة رد على فتوى لشيخ الأزهر ورئيس المعاهد الدينية بالباطل، حاول فيه جعل البدعة التي أنكرها الشيخ بالدليل دينًا متبعًا وعبادة مشروعة، واستدل على ذلك بأحاديث لا تدل عليه ولا هي بصحيحة فيستدل بها على فرض دلالتها على ما ذكر، ونشر رده الباطل في صحيفة يومية مشهورة قرأها ألوف من الناس، وسكت علماء الأزهر على ذلك إلى أن أنكره على المتصوفي بعض أهل الغيرة من الإسكندرية كما علم ذلك من جزء المنار الماضي.

    ذلك بأن شيخ الأزهر -وإن كان رئيس علماء الدين في الأزهر وسائر معاهد التعليم الديني في هذا القطر- ليس له رياسة دينية مطلقة عند المسلمين فيما يأمر به وينهى عنه أو يفتي به، وإن وافق الحق لا شرعًا ولا قانونًا ولا مواضعة عرفية، وليس من أعمال مشيخة الأزهر نشر الدين بتلقين عقائده وآدابه وأحكامه لعامة المسلمين المكلفين بطريقة منتظمة، فيكون من أثر ذلك أن السواد الأعظم قد تلقى دينه عن مصدر واحد موثوق به، بحيث نجزم بأن كل ما كان معلومًا من الدين بالضرورة في صدر الإسلام وسائر القرون، التي جزم فيها علماء الأصول والفروع بأن من جحد شيئًا مجمعًا عليه من هذه المعلومات يكون كافرًا، بل نعلم بالاختبار أن السواد الأعظم من المسلمين في هذه البلاد أميون، وأن المتعلمين في غير المعاهد الدينية من الأهالي أكثر من المتعلمين فيها، فأما الأميون فأكثرهم لم يتلق عقيدته من عالم ولا متعلم، بل يسمع بعضهم من بعض أقوالًا وأمثالًا وحكايات بعضها من عقائد الإيمان، وبعضها من أضاليل أهل الكفر وخرافات أهل الشرك، وأما المتعلمون في المدارس الدنيوية فكثير منهم تعلموا في مدارس دعاة النصرانية التي أنشئت لتحويلهم عن دينهم، ومنهم من تعلموا في مدارس الحكومة وغيرها، أو في أوروبا، وجميع المدارس الدنيوية يبث فيها من التعاليم ما ينافي الدين أو يوقع الريب في بعض عقائده، ولا يكاد يوجد فيها مدرسة يلقن المسلم فيها أصول دينه على الوجه الحق المؤيد بالدلائل التي تدحض الشبهات الواردة عليه من العلوم الأخرى.

    وأما المتعلمون في الأزهر وما يتبعه من المعاهد فأكثرهم يجيء من بلاد الأرياف ومزارعها متشبعًا بما عليه العوام من الخرافات والأوهام، فتمر عليه السنون وهو يعالج مبادئ النحو والفقه التي تنزع من نفسه شيئًا من الخرافات والبدع التي عرفها وألفها، ثم يحضر دروس العقائد المعروفة في هذه المعاهد وهي مختصرات أو ملخصات من كتب جدلية جافة فيما يجب اعتقاده في الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر تحرك الشبهات ولا تكاد تزيد مدارسيها إيمانًا ولا عملًا صالحًا، ولا تمييزًا للبدع من السنن ولا ترغيبًا في طلب رضوان الله وترهيبًا من عقابه، وقد يوجد في بعضها مدح لاتباع السنة وسيرة السلف وذم لِمَا ابتدع بعدهم كقول الجوهرة:

    وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف

    ولكن لم يذكروا في شروحهم وحواشيهم عليها خلاصة ما حوت دواوين السنة من أحاديث الاعتصام وآثار الصحابة فيه، ولا ما ورد عن السلف من اجتناب البدع والزجر عنها، بل لا تخلو أمثال هذه الشروح والحواشي مما يخالف السنة ويؤيد البدعة وأهلها عن قرب أو بعد، كاحتياج الراد على فتوى شيخ الأزهر في هذه الأيام بما في بعضها من قولهم: إن (أه) من أسماء الله تعالى، كما يوجد ذلك في بعض كتب الفقه والفتاوى أيضًا، ومنه قول بعضهم باستحباب وضع الستور على قبور الصالحين قياسًا على ستر الكعبة، والقائل بهذا ليس من أهل القياس الأصولي الاجتهادي إلا أن يكون القياس الشيطاني الذي يهدم نصوص الكتاب والسنة، ويبني بأنقاضها صروح البدعة، فقد صحت الأحاديث بحظر تشريف القبور وبناء المساجد عليها، ووضع السرج والمصابيح عليها، ولعن الذين إذا مات الرجل الصالح فيهم اتخذوا على قبره مسجدًا، ومقتضى هذا القياس أن هذا مشروع محبوب عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتقتضي هذه الفتوى أيضًا أن الطواف بتلك القبور وتقبيلها مشروع، وكل ذلك من عبادة غير الله تعالى، وهل كان الشرك الذي بعث جميع الرسل لهدمه إلا عبادة غير الله تعالى من الملائكة والأنبياء والصالحين بدعائهم، والغلو في تعظيمهم بما لم يأذن به الله، وتعظيم ما وضع للتذكير بهم من صور وتماثيل وقبور؟

    4- لقد كان مثار كل هذه الفوضى والضلالات ما تبع التقليد والتمذهب من جعل جماهير الناس كل ما دوّن في كتاب دينًا يتبع، ولا سيما بعد موت مؤلفه، وعند أهل مذهبه أو أهل طريقته إذا كان منتميًا إلى بعض طرق المتصوفة.

    التقليد نفسه مختلف فيه عند الأصوليين وأهل النظر، والاستدلال والتشديد في منعه من الأمور الاعتقادية عظيم جدًّا، حتى قال من قال: إنه لا يعتد بإيمان المقلد وإن وافق الحق، وقد ذكر ذلك صاحب الجوهرة في أول عقيدته بقوله:

    إذا كل من قلد في التوحيد ... إيمانه لم يخل من ترديد

    ففيه بعض القوم يحكي الخلفا ... وبعضهم حقق فيه الكشفا

    فقال أن يجزم بقول الغير ... كفى وإلا لم يزل في الضير

     

    وناهيك بحال المختلف في إيمانه والعياذ بالله تعالى، والتقليد الذي أجازه منهم وأوجبه صاحب الجوهرة هذا، قاصرًا إياه على الأئمة الأربعة المشهورين في الفقه، وأبي القاسم الجنيد من الصوفية -افتياتًا منه على الشرع- وهو التقليد في فروع الأعمال، إنما كانوا يعنون به تقليد العاجز عن معرفة الحكم للمجتهد الموثوق به عنده بأخذه عنه الحكم بدون دليل، وليس منه في شيء أن يجعل من الدين كل ما ذكر في كتاب ولو لجاهل ليس من أهل الاجتهاد المطلق، ولا ما دونه كأكثر هؤلاء المتأخرين الذين لم يعنوا قط بالنظر في أدلة الأحكام، وإنما تآليفهم عبارة عن نقل كل مؤلف منهم لكلام من قبله مع تصرف يفسد النقل في بعض الأحيان، وأكثر نقل المتأخرين عن قريبي العهد بهم، ولا يكاد أحد منهم ينظر في كلام المجتهدين، ولا كلام أهل التخريج والاجتهاد في مذاهبهم، بل جعلوا الفقهاء طبقات، أوصلها بعضهم إلى ست، ويقول مثل ابن عابدين الشهير: إنه من السادسة وأهلها أسرى النقل، يعني عمن قبلهم لا من الكتاب والسنة، ولا من نصوص الأئمة، وهذه الطبقات حجب دون الكتاب والسنة، كل طبقة تحجب ما دونها عما فوقها، فالحجب بين الطبقة السادسة وبين النور المنزل من عند الله ليستضيء به البشر خمسة هي سادستها.

    وقد ضرب الإمام الغزالي مثلًا جميلًا ضوء الشمس يدخل من نافذة، فيقع على مرآة وينعكس عنها على جدار مقابل لها، ثم ينعكس عنه إلى جدار ثان مقابل لها، ثم ينعكس عنه إلى جدار ثالث في حجرة أخرى مظلمة من بابها، ثم ينعكس ما يقع على هذا الجدار المقابل للباب إلى جدار رابع في حجرته مقابل له، فالنور الذي يقع على المرآة مثل نصوص الكتاب والسنة عند المهتدين بهما من الأئمة المجتهدين وغيرهم من السلف؛ لأن الله تعالى شرع دينه وجعل كتابه تبيانًا عامًّا لا خاصًّا بالأئمة، وإنما الأئمة أقوى فهمًا وأوسع علمًا وأهدى سبيلًا في الاهتداء به وتعليمه للناس، والنور المنعكس عن المرآة على الجدار الأول مثل العلم الذي يتلقاه الناس عن الأئمة الذين ينقلون لهم النصوص ويشرحون لهم معانيها وما يستنبط منها، فهو نور قوي يتبين به الشيء كما هو ما دامت المرآة صافية، وأما ما ينعكس عن هذا النور على الجدار الثاني وما بعده فبعضها أضعف من بعض ولا تتبين بها الأشياء بجلاء تعرف به حقيقتها وصفاتها كما ينبغي، بل كثيرًا ما تخفى، وما يقع فيها الاشتباه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا[١٧٤] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا[١٧٥]﴾ [النساء: 174 - 175].

    5- يشتبه على أكثر الناس الفرق بين تلقي عوام السلف العلم والدين عن أهله وعن أخذ بعضهم بقول الإمام بدون معرفة دليله، وبين ما نخصه بالذم من التقليد الأعمى الذي ترتب عليه ما أشرنا إليه من الفوضى الدينية، وقد قلب بعض المقلدين الوضع وعكس القضية فجعلوا أقوى حججهم على وجوب التقليد وكونه مصلحة راجحة زعمهم أنه يدفع مفسدة الفوضى في الدين بادعاء الكثيرين للاجتهاد واتباع الناس لهم، وهم غير أهل لذلك فيكونون ضالين مضلين، فإقفال باب الاجتهاد قد درأ هذه المفسدة وقيد من ليس أهلًا للاجتهاد باتباع أئمة معدودين قد ثبت اجتهادهم، ونقلت مذاهبهم بالتواتر.

    والحق أن هذه المفسدة التي ذكروها واقعة لا ريب فيها، وإنما كان سببها ما سموه إقفال باب الاجتهاد؛ أي: إقفال باب الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ورد كل اختلاف ونزاع إليهما كما أمر الله تعالى، وهذا الاهتداء ليس معناه أن يكون كل مهتد بهما إمامًا أهلًا لاستنباط أي حكم شرعي احتيج إليه منهما، فعوام السلف الصالح لم يكونوا أئمة، ولا كان الجماعات ولا الأفراد منهم يلتزمون تقليد فرد معين من علمائهم، وإنما كانوا كلهم عالمين بالضروري من الدين، ومتفاوتين في علم غيره، ومن احتاج منهم إلى علم ما لا يعلمه في نازلة وقعت له سأل عنها من يثق بعلمه ودينه من أهل العلم؛ أي: سأله عن حكم الله تعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان أولئك العلماء الذين هم أهل العلم بالقرآن والسنن يفتونهم بالنصوص إن وجدت، وإلا فبما يستنبطون منها.

    وأما عوام الخلف الذين حيل بينهم وبين هداية كتاب ربهم، وما بينه من سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام بتسميتها اجتهادًا يعجز عنه البشر؛ فهم في فوضى دينية من هذا التقليد الأعمى الذي هو عبارة عن الأخذ بقول كل من ينتمي إلى العلم أو يدعيه، وإلى العمل بكل قول يوجد في كتاب مخطوط أو مطبوع، ولا سيما كتب المنسوبين إلى مذاهبهم في الفقه أو الكلام أو التصوف، وناهيك بكتب المشهورين منهم مهما يكن سبب شهرتهم، ومن اختبر المسلمين في الأقطار المختلفة اختبارًا صحيحًا يجد أنه يقل في طلاب العلوم الدينية فيهم من يعرف سيرة الإمام الذي ينتمي إليه في علمه ودينه وأصول مذهبه ونصوصه في الفروع، وإنما حظهم من المذهب قراءة بعض الكتب التي ألفها بعض المقلدين المنتمين إليه على تفاوت عظيم في فهمها، وعلى ما في الكثير منها من الخلط والخطأ والغلط كما أشرنا إليه آنفًا، ويا ليتهم مع هذا يعرفون ما في الكتب المعتمدة في مذاهبهم، ويعملون بما صح نقله عن المجتهدين، أو من على مقربة منهم! كلا إن أكثر العوام يقلد بعضهم بعضًا في الدين وعباداته فعلًا وتركًا كما علمت، ولا يوجد واحد في المائة، ولا في الألف منهم تلقى دينه عن أحد من المنتحلين للعلم الديني، على ما وصفنا من سوء حالهم، ومن جهل أكثرهم بنصوص الأئمة المجتهدين -كجهلهم بالكتاب والسنة- ولو كانوا متبعين لأولئك الأئمة الكرام لجعلوا أكبر همهم تذكير الناس وتعليمهم بالكتاب والسنة وإرجاع كل أمر إليهما، وبذلك وحده ترتفع الفوضى الدينية أو تقل، وتموت البدع أو تضعف، وأقوال المؤلفين المنسوبين إلى المذاهب ليس لها من السلطان على القلوب والإقناع في العقول مثل ما لكلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلامهم متعارض لكثرتهم، فإذا حاججت إمرءًا بقول مؤلف منهم حاجك بقول آخر يخالفه كما حاجّ بعض المنسوبين إلى الطريقة الشاذلية شيخ الجامع الأزهر بنقول كاذبة خاطئة وجدها في بعض كتبهم فيما ابتدعوه من التعبد بما يسمونه اسم الصدر، وهو إخراجهم من صدورهم صوتًا مشتملًا على الحرفين اللذين مخرجهم أقصى الحلق (أه).

    بل أقول: إن إقفال باب الاهتداء بالكتاب والسنة وتذكير الناس بهما قد فتح أبواب الزندقة والمروق من الدين، لا باب الفوضى في الدين أو الفسوق فقط، وأوسع هذه الأبواب اثنان: الشبهات المادية، واتباع بعض الدجالين المنتمين إلى التصوف المدعين أنهم عرفوا الحقيقة، أو اتبعوا من عرفها بالكشف، وناهيك بطائفة البكتاشية والملة البابية والبهائية من أهل هذا الزمان كسلفهم الباطنية من الإسماعيلية وغيرهم.

    كل هذه الدواهي الطامة جاءت من ابتداع تلقي الدين عمن ينسب إلى المذاهب المعروفة، والأخذ بما يقوله أو يكتبه كل منهم أو يوجد في كتبهم من غير أن يكون تلقينًا للكتاب والسنة وتفسيرًا لما يحتاج إلى تفسير منهما، وجعل هذا التلقين هو الأصل وما قد يحتاج إليه من فتوى اجتهادية في نازلة جزئية فرعًا لا يدعى إليه، ولا يجعل سنة متبعة وشريعة ثابتة، ولا يجعل من خلفه إلى غيره مبتدعًا ولا فاسقًا، ولو فعلوا هذا واستعانوا عليه بما قاله أهل العلم بالتفسير والحديث لما قطعت الصلة بين الأمة وبين النور الذي أنزله الله إليها، ولأقفل بذلك باب الفوضى التي هي الأخذ بكلام كل من يعد من المعممين والمؤلفين مهما تكن أقوالهم ومصادرها، وليس هذا هو الاجتهاد المطلق الذي أقفلوا بابه.

    7- إن هذا الدين -وإن كان أصله كتاب الله تعالى، وما بيّنه به رسوله في أفعاله وأقواله وأحكامه- يتوقف فهم الخلف إياه على معرفة سيرة السلف الصالح من جمهور الصحابة والتابعين وحفظة السنة وعلماء الأمصار في القرون الثلاثة التي هي خير القرون.

    ذلك بأن نصوص القرآن والأحاديث تحتمل المعاني المختلفة بضروب المجازات والكنايات، فيعرض الناس فيها من التأويل ما ليس مرادًا للشارع، وإنما كان الصحابة أعلم الناس بهذا الدين؛ لأنهم أعلم بلغة القرآن والحديث التي هي طليقة لهم، ولمشاهدتهم أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم ووقوفهم على أحكامه في بيانه.

    ولذلك قال علي كرم الله وجهه لابن عباس رضي الله عنه، حين أرسله لمحاجة الخوارج: احملهم على السنة فإن القرآن ذو وجوه.

    والمراد من السنة معناها اللغوي؛ أي: سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته المتبعة من عهده، فإنها عمل لا يحتمل التأويل كما لا يحتمله كلامه وكلام الله تعالى وسائر الكلام، وقد نهى بعض الخوارج بعضًا عن محاجة ابن عباس بالقرآن بحجة أنه من قريش الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] يريدون أن لا يغلب في المحاجة والمخاصمة؛ لأنه ألحن بالحجة وأبرع في مجال الغلب والخصومة، لا أنه صاحب الحق بما يثبته به من البرهان، على أن القوم كانوا مستدلين، وفيما أخطؤوا فيه متأولين، وما قالوه هو تكأة المقلدين، الذين يعذرون أنفسهم في الإصرار على ما ظهر لهم من ضلالهم بجهلهم وحذق خصمهم وخلابته في القول، فالجهل عذر الجاهل العارف والمعترف بجهله وعجزه، لا المستدل الذي ينافح عن دعواه بسيفه ورمحه.

    وعلماء المذاهب التي يدعى الناس اتباعها يقولون: إن الجهل عذر في المسائل التي من شأنها أن تخفى على العامة، وإن كانت مجمعًا عليها كإرث بنت الابن مع بنت الصُلب السدس تكملة للثلثين الذي جعل الله تعالى في الكلالة فرضًا للأنثيين، ولا يجعلونه عذرًا لأحد في المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، قالوا: إلا إذا كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في شاهق جبل: وهذا مبني على أن معاشرة المسلمين كافية لمعرفة الضروري من عقائد الإسلام وأحكامه في العبادات والحلال والحرام، وذلك كاف في صحة إسلام من يعرفه معرفة إذعان، وإن جهل جميع المسائل الاجتهادية والنصوص الخفية المجمع عليها، فكيف بالمسائل المختلف فيها؟ على أنه لا بد أن يعرف الكثير منها.

    ولما قال العلماء ذلك القول كانت معاشرة المسلمين كافية لمعرفة حقيقة الإسلام كما قالوا، ثم تغير الزمان، حتى صار المسلمون أنفسهم حجة على الإسلام، ويعترف بذلك خطباؤهم على منابر جوامعهم في خطب الجمعة، بقولهم: (لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه)، وبقولهم: (صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا)، وهذا القول حق واقع، ولكن لا يعتبر به القائل ولا السامع، وقد كان من أثره أن كثيرًا من الناس حتى بعض المعممين منهم لا يطعنون بدين أحد إلا المعتصم بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، ولا سيما إذا دعا الناس إلى ذلك وإلى ترك البدع الفاشية، حينئذ ينبذونه بلقب وهابي أو عدو الأئمة المجتهدين، وأولياء الله المقربين، فالجهال قد اتخذوا من أسماء الأئمة والصالحين الذين هم أعداؤهم سهامًا مسمومة يرمون بها أولياءهم والمتبعين لهم في الحقيقة؛ لأنهم يهتدون بالكتاب والسنة مثلهم، فالكتاب والسنة ليسا حجة عندهم ولا هداية لهم، بل هما يردان بقول كل من ألف كتابًا كتب في طرته أنه العلامة فلان الفلاني مذهبًا، والعلاني طريقة أو مشربًا، فاتباع الكتاب والسنة عندهم ضلال، بل ربما يرمون أصحابه بالكفر أو الزندقة كما بينا ذلك في غير ما موضع من المنار، وهذا من الخزي الذي يعد من أغرب جهل البشر، والخذلان الذي يمثل منتهى فساد العقول والفطر، يتبرأ منه ومن أهله أئمة الأثر والفقه والتصوف والعلماء بدلائل مذاهبهم وطرقهم.

    وهو ليس من التقليد الذي أجازه بعض هؤلاء العلماء في شيء، فقد كانوا في خير القرون لا يعلمون عامة الأمة إلا ما نزله الله تعالى إليها وما بينه به رسولها، ولم يكن ثَم مذاهب تحمل عليها، وإنما كانت مباحث الاجتهاد محصورة في تعليم الخاصة ومجالس القضاء ونوازل الفتوى في الوقائع.

    ومن قواعد الأصول عندهم: عدم جواز الاجتهاد مع وجود نص الكتاب أو السنة في المسألة، وأنه لا حجة في كلام أحد غير المعصوم، وهم مجمعون على أن الأئمة الأربعة في الفقه وأئمة الصوفية كالجنيد والشبلي والبسطامي وأمثالهم غير معصومين، وإنما قال بعض الشيعة بعصمة نفر من أئمة آل البيت.

    وجميع هؤلاء العلماء يفضلون سلف الأمة على خلفها في العلم بحقيقة الدين والعمل به كما تقدم، ويحثون على الاقتداء بهم، ويردون كل ما خالف هديهم وسيرتهم، ويستدلون به على الابتداع في الدين كما يستدلون بالنصوص، فنحن إذًا محتاجون في التمييز بين السنة والبدعة إلى معرفة ما كان عليه جمهور السلف الصالح، ونستمسك به، نرد ما خالفه، ولا سيما ما اتفقوا عليه، وما كان الخلاف فيه شاذًّا أو ضعيف الرواية أو الدلالة، ولكننا نعذر من أخذ بقول أي عالم من أولئك الأئمة لاعتقاده صحة دليله، أو أنه هو حكم الله تعالى وإن لم يعرف دليله.

    ثبت بالعقل والنقل والاختبار أن العمل بأحكام الدين ومنه القضاء بها والفتوى في تطبيقها على النوازل الواقعة أقوى بيانًا للمراد بها من القول مهما يكن فصيحًا جليًّا، فكلام الله أفصح الكلام وأبلغه، ومعنى هذا أنه أعلاه بيانًا وإقناعًا وتأثيرًا، ومع هذا كان بعض الصحابة يخطئ في فهم بعض أحكامه وفي تطبيقها على العمل كما أخطأ من تمعك منهم في التراب كما تتمعك الدابة؛ لأنه فهم أن التيمم عن الجنابة يجب أن يمتاز عن تيمم الحدث، وكما أخطأ من ربط في رحله عقالًا أبيض وعقالًا أسود ليتبين بالتمييز بينهما طلوع الفجر، ولهذا جعل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم مبينًا لكتابه على وصفه إياه بأنه بيان للناس وتبيان لكل شيء ونور مبين، وتبيين الرسول صلى الله عليه وسلم بأفعاله وأحكامه وفتاويه في النوازل أقوى وأظهر من تبيينه بأقواله، وإن أوتي من النبوة وجوامع الكلم وصار أفصح من نطق بالضاد.

    لأن أقواله ذات وجوه تحتمل التأويل كما قال الإمام علي المرتضى في الكتاب العزيز، بل هي أولى، وتختلف فيها الأفهام كما اختلف الصحابة رضي الله عنهم في أمره إياهم بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، ففهم بعضهم أن المراد عدم التأخر عن الوصول إلى بني قريظة في ذلك الوقت، فصلوا في الطريق ولم يتأخروا، وحمل الآخرون الأمر على ظاهره، ولأن العمل أبعث على القدوة والامتثال، وذلك ثابت بالعقل والتجربة، وأظهر وقائعه في السنة أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالتحلل من عمرتهم عقب صلح الحديبية، كرر الأمر بالقول ثلاثًا ولم يمتثلوا، فاغتم عليه الصلاة والسلام وكانت زوجه أم سلمة رضي الله عنها معه، فذكر لها ذلك مستشيرًا لها فيه، فأشارت عليه بأن يخرج إليهم ولا يكلم أحدًا حتى يتحلل من عمرته بنحر هديه وحلق رأسه ففعل، فاتبعه الناس مسرعين، ولم يقع لهذا نظير منهم.

    فعلم من هذا أن أحكام الدين لم تبين تمام التبيين إلا بالسنة العملية، وأن الصحابة أنفسهم كانوا محتاجين إليها، وكان يختلف اجتهادهم في الأقوال إذا لم تبين بها، بل كان منهم من تأول النص الصريح في مقام الخصومة انتصارًا لنفسه ودفاعًا عنها، كما تأول معاوية حديث «عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»، فقال: إنما قتله من أخرجه.

    فرد أمير المؤمنين علي هذا القول حين بلغه بأنه يقتضي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قتل عمه حمزة؛ أي: وجميع من قتل معه في بدر وأحد وسائر الغزوات، فما تبين من أعمال الدين بالسنن المتبعة فعلًا وتركًا، فهو الذي لا يسع أحدًا مخالفته، ولا يعذر فيه، وما سواه يعذر فيه الناس باختلاف الأفهام والتأول مع الاعتقاد وحسن النية.

    وقد حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأحداث والوقائع ما لم يكن في عصره، واختلف الاجتهاد في أحكامها من حيث تحقيق المناط، أي: من حيث الاستدلال على الحكم ومن حيث تطبيقه على الوقائع بالعمل، والقاعدة الأصولية في اجتهاد الأفراد من الصحابة وغيرهم أنه ليس حجة في الدين، وإنما يجب على من اجتهد في مسألة أن يعمل بما ظهر له أنه الحق فيها، والقائلون بالتقليد يجيزون للعاجز عن الاجتهاد فيما يعرض له مما لا نص فيه أن يأخذ باجتهاد من يثق به من المجتهدين، وأما إجماع الصحابة فهو حجة عند جميع الأئمة، والإمام أحمد لا يحتج بإجماع غيرهم، وكان الإمام مالك يحتج بإجماع أهل المدينة في زمنه؛ أي: زمن التابعين وتابعي التابعين، وإنما يظهر هذا في الشعائر والسنن العملية المتبعة، لا فيما سبيله الاجتهاد.

    وجملة القول أن الله تعالى أكمل الدين بكتابه وبيان رسوله، وكان أهل الصدر الأول من السلف الصالح هم الذين حملوا إلينا هذا الدين كما سمعوه ووعوه بالقول والعمل، فمعرفته متوقفة على معرفة روايتهم له وسيرتهم في العمل به.

    ولا شك أن العمل بالإسلام عبادة ومعاملة وسياسة وقضاء كان في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم على أكمل الوجوه، بل قال بعض علماء الأصول: إن إجماع الخلفاء الأربعة حجة، واحتجوا لذلك بحديث العرباض بن سارية مرفوعًا: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ» وفي رواية «وَلَو عَبْدًا حَبَشِيًّا» وفي رواية: وهذا في الأمراء والحكام الذين يوليهم الإمام الأعظم، فلا ينافي أحاديث حصر الأئمة في قريش كما نقله الحافظ ابن رجب وغيره في شرح الحديث وأيده بِحَديث عليّ عند الحاكم والدارقطني مرفوعًا وموقوفًا «وَإِنْ أَمَّرَتْ عَلَيْكُمْ قُرَيْشٌ فِيكُم عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».

    وذهب بعض العلماء أنه غنما ذكر العبد الحبشي على طريق ضرب المثل وإن لم يصح وقوعه، كما قال في حديث الترغيب في بناء المساجد «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ وَلَو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رواه أحمد عن ابن عباس بسند صحيح.

    ويستحيل أن يكون المسجد كمفحص القطاة وهو المكان الذي تفحصه برجلها وتبَيض فيه، والأمة مجمعة على أن العبد أي المملوك كما هو المتبادر هنا لا يجوز أن يكون الإمام الأعظم صاحب الولاية العامة على المسلمين، ولا أن يلي ما دون ذلك من ولاية الأمر.

    وقال بعضهم إن في هذا الحديث وما في معناه إشارة إلى ما كان في الأمة بعده من ولاية العبيد والمماليك[2]، «وَأَنه مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وفي رواية «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.

    وكذا غيرهما من وجوه وطرق، واختاره النووي في الأربعين، بل ذهب بعضهم إلى الاحتجاج بسنة الشيخين أبي بكر وعمر، وبعضهم بالاحتجاج بما سنه عمر؛ أي: سن في خلافته لما ورد في ذلك.

    ولبيان وجه هذا مكان آخر يعلم منه أنه ليس على إطلاقه حتى عند القائلين به، وذكر الحافظ ابن رجب في كتاب (جامع العلوم والحكم)، عن الإمام مالك أنه قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننًا؛ الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، فمن اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استبصر بها فهو المنصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.

    قال: وحكى عبد الله بن عبد الحكم عن مالك أنه قال: أعجبني عزم عمر ذلك -يعني هذا الكلام.

    وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يحكه عن عمر اهـ.

    ويجمع بين الروايتين بأن مالكًا كان يرويه تارةً، مقررًا له في نفسه على غير طريق الرواية- فعمل جمهور الصحابة والتابعين وسياسة الخلفاء الأربعة الراشدين وقضاتهم وإدارتهم لأمور الأمة في الحرب والسلم، ومعاملة المبتدعة وأرباب الأهواء والثوار الخارجين على أئمة الحق والعدل، كل ذلك نبراس نهتدي به ونعرف حكم الله تعالى فيه، وحاجتنا إليه في كل زمان ومكان كحاجة الصحابة رضوان الله عليهم في زمن الرسول إلى مشاهدة أفعاله وسماع أحكامه والوقوف على قضائه وسيرته في الحرب والسلم.

    وسنبين إن شاء الله تعالى مزية كل خليفة من الأربعة، وحكمة الله تعالى في ترتيبهم على حسب أعمارهم، وما ترتب على ذلك من المصالح.

    1- نتيجة هذه المقدمات، والمقصود من هذه التمهيدات.

    مكان مسلمي عصرنا من دينهم.

    علم مما تقدم أن ما عليه جماهير المسلمين اليوم في أمورهم الدينية ممزوج بالبدع والضلالات والفسق وترك الفرائض وفشو الفواحش وكثرة الشبهات، إلا في بلاد قليلة، فمعاشرة المسلمين لا يمكن أن يعرف منها حقيقة دينهم في مثل القطر المصري أو الحجازي، دع ما دونهما في العلم والعراقة في الإسلام.

    وأن نجوم هذه البدع بدأ في خلافة عثمان، فما كان عليه المسلمون قبلها فهو الإسلام الخالص، وما كان في خلافة علي من معاملة الخارجين عن الإسلام -باسم الإسلام- والخارجين من المسلمين على أئمة الحق بالشهوات أو الشبهات، والمبتدعين فيه ما ليس منه بالتأويلات، فهو الحق الذي يهتدى في أمثال هذه المشكلات، والنور الذي يستضاء به في دياجير الظلمات، وعليه جرى علماء السلف الصالح من حملة السنة وأئمة العترة ورواة الآثار، وأهل الاجتهاد الصحيح من علماء الأمصار.

    2- مصادر الإسلام وحملته وكتبه.

    إن دين الله الإسلام هو كتابه تعالى وما بينه من سنة رسوله بالقول والعمل الذي كان عليه جمهور الصحابة والتابعين وأئمة عترة النبي صلى الله عليه وسلم قبل حدوث الفتن وإحداث البدع وفي أثنائها، وحملته إلى الأمة هم الذين حفظوا الكتاب والسنة، وصنفوا الكتب في الأخبار والآثار وسيرة أهل الصدر الأول، وميزوا صادقها من كاذبها وصحيحها من سقيمها، وأئمة الأمصار في القرون الثلاثة الذين بينوا للناس طرق فهم النصوص والاستنباط منها، فما أجمعوا عليه من أمر الدين فهو الذي لا يسع مسلمًا تركه، وما اختلفوا فيه يرد إلى الكتاب والسنة كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] أي: مآلًا وعاقبة، والرد في الأمور العامة منوط بأولي الأمر، وفي الوقائع الخاصة بعمل كل فرد بما ظهر له الدليل على صحته، فإن لم يكن من أهل الدليل عمل بما يفتيه به من يثق بعلمه بالكتاب والسنة ودينه في الاهتداء بهما.

    3- عمل جمهور السلف حجة وهدى.

    عمل جمهور السلف الصالح حجة فيما يختلف أهل النظر والاستدلال فيه باجتهادهم، أو اختلاف أفهامهم وتأويلهم للنصوص، ولكننا نعذر المخالف لجمهور السلف بالاجتهاد والتأول إذا علمنا من حاله أنه مؤمن بأن كل ما جاء به الرسول من أمر الدين حق، ومسلم مذعن لذلك على الوجه المبين في المقدمات، وحينئذ نعامله معاملة المسلمين في الصلاة معه، وفي أحكام النكاح والإرث وغير ذلك مع الرد عليه ومجادلته بالتي هي أحسن، والتحذير من بدعته إذا كانت مخالفته ابتداعًا، أو فسقه إذا كانت فسقًا، مهتدين في ذلك بما كان أهل الصدر الأول يعاملون به المنافقين والمؤلفة قلوبهم من ضعفاء المسلمين الذين قبلوا أحكام الإسلام، والخوارج، والمبتدعة المتأولين، مثال ذلك أننا لا نعتد بإسلام أحد يكذب القرآن، أو يستحل مخالفته، وإنما نعذر من يفهم بعض آياته فهمًا مخالفًا لفهم السلف مع التسليم والإذعان النفسي لكل ما فيه ولو بحسب فهمه، ولا نعتد بإسلام من يكذب الرسول أو يستحل مخالفته فيما يعتقد هو أنه جاء به من دين الله، ولكننا نعذر من لم يصدق رواية بعض الأحاديث لشبهة عنده في المتن أو السند، فكذب مضمونها أو خالفه لذلك، وإن صح عندنا، ونرد عليه بالتي هي أحسن، فقد أمرنا بدرء الحدود بالشبهات، وأولى الحدود أن يدرأ حد الردة والخروج من الملة.

    4- بمَ يكون الارتداد عن الإسلام.

    إنما جعل العلماء المتقدمون مدار الارتداد عن الإسلام على جحد المجتمع عليه المعلوم بالضرورة من أمر الدين؛ لأن الجهل عذر عندهم.

    والمدار في صحة الإسلام الإذعان النفسي والعملي لأحكامه، وهو فرع العلم بها، ولذلك صرحوا بأن من نشأ في شاهق جبل أو كان حديث عهد بالإسلام يعذر حتى بجحده المعلوم من الدين بالضرورة عند جمهور المسلمين؛ لأنه ليس معلومًا عنده ولم يصدقوا الناشئ بين المسلمين، أو من طال عهد اختلاطه بهم بعد الإسلام إذا جحد شيئًا وأدعى الجهل ليتنصل من الحد مثلًا.

    وقد بينا في المقدمات أن معاشرة المسلمين في أكثر البلاد الإسلامية في هذه الأزمنة لا تقتضي معرفة حقيقة الإسلام في عقائده وعباداته الخالية من البدع وسائر أحكام الحلال والحرام، وإنما يعلم إسلام المرء بإذعانه وخضوعه لما علم أنه من الإسلام، ومن كان هكذا فعلاج ما يجهله تعليمه وإقامة الحجة عليه، وقد جربنا هذا العلاج فشفي به كثيرون من أدواء الشرك والابتداع والشكوك والأوهام، فالسليم الفطرة ذو الجهل البسيط يشفى بسرعة عجيبة، وإنما يعسر شفاء أصحاب الجهل المركب الذين أخذوا شيئًا من قشور الكلام والفقه والتصوف، فهم يردون بها الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة وسيرة السلف الصالح (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، وهذا هو البلاء المبين الذي أضاع الإسلام، ولا علاج له إلا بناء التعليم الإسلامي في مدارسه وغيرها على التفسير والحديث وسيرة السلف الصالح وتلقين كل مسلم ما تقدم تقريره في ذلك.

    5- معاملة المبتدعة والمنافقين والفاسقين: إننا على كوننا لا نكفّر أحدًا من أهل القبلة فيما يأتيه جاهلًا أو متأولًا نحتاط لديننا، فيمن نعلم بالاختبار الشخصي أنهم على شيء من الشرك الجلي أو النفاق من غير أن نفرق الجماعة، أو نحدث الفتن بين المسلمين، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة كحذيفة بن اليمان يعرفون بعض المنافقين بأعيانهم، ولا يجابهونهم بذلك، ولا يخبرون الناس به رجاء أن يصلحوا ويوقنوا بطول معاشرة المسلمين، وكان علماء الصحابة والتابعين يصلون مقتدين بأئمة الجور من بني أمية وعمالهم، والأسوة الكبرى في هذا الباب سيرة علي كرم الله وجهه في الخوارج ومعاوية وأنصاره، وإنني على هذا لا أصلي مقتديًا بمن أعلم باختباري الشخصي أنه مشرك أو كافر بغير الشرك، وإن كان يظهر الإسلام ولا أعطيه شيئًا من الزكاة الواجبة إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم، فهذا ما عندي من الجواب عن سؤال الموحدين في دمياط كثرهم الله تعالى وبارك فيهم.

    وإنني أتبع هذا ببيان سيرة السلف الصالح فيما ذكر من أمر الابتداع والاختلاف في الدين وأهله من أصحاب الأهواء وغيرهم، ثم أقفي عليها بما أراه نافعًا في الاقتداء بهم، عسى أن يهتدي به الغلاة في الدين والمفرطون فيه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

    [1] المنار ج22 (1921) ص104- 120.
    [2] ما بين القوسين حاشية وردت في ص117، 118 من المنار. المجلد 22، الجزء الثاني.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 522 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة